الصفحة 211 من 604

رجال من قبائل البدو المخدوعةِ الذين لا يقدِّرون عواقبَ الأمور،ويودُّون جَنْيَ المكاسب بإثارة الشر ضد قريش وسلطتها،ومعهم أفراد من قريش شبابٌ لا حلم لهم ولا عقل،نَقِمُوا على الخليفة عدمَ إعطائه إياهم المناصبَ الرفيعة.

والطائفة الثانية: هي مجموعة المنْدَسِّين من أهل الكتاب في الصف المسلم بقصد الشر والسوء..

والتقت أهداف الطائفتين في منتصف الطريق،وسلكوا لتحقيق أغراضهم كلَّ سبيل،حتى وضعوا كتبَ الاعتراض ضد الخليفة على ألسنة أمهات المؤمنين.

ها هو الخليفة عثمان يبذل ما في وسعه وطاقته من أجل أن يستوعب الفتنةَ،ويُخْمِدَ نارَها،قبل أن تشتعل فتحرق كل شيء،فأرسل إلى الأمصار ببعض رجالِ مُجتمعِهِ ذوي الثقة والاحترام بين الناس للتحقيق فيما يثيره أهل الأمصار ضد ولاتهم،فقد بلغتْ أنباءُ تمردِ الكوفة والبصرة ومصر أهلَ المدينةِ،فراحوا يسألون عثمان عن ذلك،فقال:"ما جاءني عن ولاتي إلا السلامة،وأنتم شركائي وشهود المؤمنين،فأشيروا عليَّ"،فأشاروا عليه أن يبعث رسلا من عنده للتحقق من هذه الشكاوى والمظالم المزعومة..

وبالفعل اختار الخليفةُ من أفراد هذه المهمة محمدَ بنَ مسلمةَ ـ الذي كان أمير المؤمنين عمرُ يأتمنه على محاسبة ولاته والتفتيش على الأقاليم وتقصّي أحوال الناس في كل بلد ـ وكانت وجهته الكوفة.

واختار عبدَ الله بن عمر ـ البقيةَ الصالحة من آل الخطاب،والإمامَ الفقيه الورع،الذي عرضت الإمارة عليه أكثر من مرة،ورفضها في كل مرة ـ وكانت وجهته الشام.

واختار عمارَ بن ياسر ـ المجاهدَ العظيم المبرور،بطل الأيام العصيبة في فجر الإسلام ـ ووجهته مصر.

واختار أسامةَ بنَ زيد ـ الحِبَّ ابنَ الحِبِّ،الذي كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يتهيأ للقاء ربه وهو يقول:"أَنْفِذُوا بَعْثَ أسامةَ"ـ وكانت وجهته البصرة.

اختار هؤلاء على رأس جماعة عَهِدَ إليهم بالسفر إلى الأقاليم والتحقق من مسلك كل والٍ وأميرٍ.

ووصل أولئك السفراء المبعوثون من الخليفة إلى الأمصار،وأخذوا يحققون في المظالم المزعومة والإشاعات بكل نزاهة وحياد،فرجعوا جميعا من مهماتهم عدا عمار بن ياسر الذي طال مُكثُه في مصر،وزعم الرواة أن أتباع ابنِ سبأ استطاعوا أن يستميلوه إليهم!!

وقدّم كل وفد تقاريره وما شهده،وما سمعه،فما كان هناك خطأ واحد يستوجب عزلَ أميرٍ!! وقالوا للخليفة:"ما أنكرنا شيئا،ولا أنكره أعلام المسلمين ولا عوامُّهم".

تعامل عثمان مع رعيته وعماله على الأمصار تعاملَ الأبِ الرحيم مع بنيه المحببين إلى قلبه،فأراد أن يجمع الأمةَ كلَّها حوله،بل أن يضعها في حِضنه الدافئ،لذلك لما اعترضت الأمصار على ولاتها دعا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت