فهرس الكتاب
وقد حرص الخلفاء الراشدون ونوابهم وكثير من أبناء المجتمع المسلم على علاج المخالفات ومقاومة الانحرافات التي بدت في مجتمعهم،إذ إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم خصائص هذه الأمة.. واعتمد العلاج والمقاومة على سياسات واضحة،أهمها: الحِسْبة،والتعزير،وإقامة الحدود.
إن ضبط مسير السفينة في بحرها هي مسئولية جميع من يركبها،ولو راح كل واحد يتصرف في نصيبه من السفينة كما يحلو له،بخرقها أو كَسْرِ خَشبها،دون أن يجد من يُرشِّد فعلَه ويقوِّمه فإن الغرق هو المصير المحتوم الذي ينتظر الجميع.
لهذا حرص الخلفاء وأهل الدين في مجتمع الراشدين على نُصْحِ الناس وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر،للحيلولة دون تضخم المخالفات وتحولها إلى آثام اجتماعية وأمراض خلقية تخالف الدين وتناقضه وتزلزل المجتمع وتسعى في هدمه.
ومن أشهر الناصحين من رعية الخلفاء الراشدين الصحابي أبو ذر الغفاري،الذي كره للناس أن يتركوا نهج الزهد والورع الكامل،ويخالطوا الدنيا ويجمعوا من زخرفها ومتاعها الزائل،واصطدم لذلك بأمير الشام القوي معاوية بن أبي سفيان.
وشارك الخلفاءُ أنفسُهم في نصحِ الناس وأمرِهم بالمعروف ونهيِهم عن المنكر،كما فعل الصديقُ حينما نصح امرأةً نذرت أن تحج صامتةً بأن تتكلم؛ لأن هذا من أفعال الجاهلية،وكما فعل الفاروق حينما نهى امرأة مصابةً بالجذام عن مخالطة الناس،فسمعت لأمير المؤمنين وأطاعت،وكما كان يفعل علي في مروره على السوق يأمر التجار بإيفاء الكيل والميزان.
وربما ولَّى الخليفةُ بعضَ المسلمين مسئولية الحسبة،كما فعل عثمان حينما ولَّى رجلا من بني ليث قَصَّ أجنحة الحمام حين شاع وانتشر في خلافته اللعب بالحمام وتطييره،وما ترتب عليه من انشغال عن أداء الواجبات،وضياع الوقت في غير فائدة،والاطلاع على عورات الناس بارتقاء الأسطح لتطيير الحمام وولَّى عمرُ من قبله أمرَ الإشراف على السوق امرأةً من المسلمين.
التعزير"عقوبة يقدِّرها القاضي لجريمة لم يأت الشرع بعقوبة محددة لها"،وهو باب من أبواب عظمة هذا الدين وخلوده،وسرٌّ من أسرار بقائه مناسبا لحياة الناس في كل زمان ومكان،فهناك جرائم وانحرافات تجدّ بين حين وآخر،وهناك جرائم لا يناسبها أن تحدَّد لها عقوبة معينة؛ لأن آثارها تختلف من مكان إلى آخر ومن زمن إلى زمن،فتُرِكَ للقاضي تقدير العقوبة بما يكون فيه حفظ مصالح المسلمين وصيانتها،فقد يناسب هذه المخالفة مجرد اللوم أو التهديد،وقد يناسبها الجَلْدُ أو القتل أو النفي أو غيرها،فينظر القاضي بعين من يراعي مصالح المسلمين ويصون مجتمعهم من الآثار السلبية للجريمة.
وقد طبق الخلفاءُ الراشدون وعمالُهم التعزيرَ بصورة واسعة لمقاومة الجرائم والمخالفات التي تظهر في المجتمع،خاصة مع اتساع الدولة واختلاط المسلمين بأمم أخرى من غير العرب.