فهرس الكتاب
وطفت على سطح الحياة مشكلة أخرى،إذ كان الجندي يخرج من بيته إلى جبهة القتال،فربما طال بعده عن أهله وولده،ولسعت الفرقةُ القلوبَ بلهيبها،فشدد الخلفاء في منع دخول الرجال غير المحارم على من غاب عنها زوجها،أمنا للفتنة،وعلم عمر بن الخطاب بما يمكن أن ينتج عن طول الفراق بين المرأة وزوجها من آثار سيئة،فعقَّب بين جنوده،وجعل الزوج لا يغيب عن بيته أكثر من أربعة أشهر.
وزيادة على ذلك كان المسلم الذي يفرض عليه واجبه في العراق أو فارس أو مصر أن يطيل البقاء هناك ـ كان ينتقل بأهله حيث المهمة الطويلة،كما صنع أبو عبيدة بن الجراح،وأبو عبيد الثقفي،ويزيد بن أبي سفيان،وخالد بن الوليد،وكثير غيرهم.
نعم،المرأة تغلب عليها العاطفة،إلا أن الله - تعالى - لم يَحْرِمْهَا العقلَ،بل إن بعض النساء في كل عصر يكنَّ أسدَّ وأرجحَ عقلا من كثير من الرجال،وإذا كان الراشدون قد حرصوا على سماع النصيحة والموعظة من الآخرين،فقد كانوا لا يبالون أن يكون الناصح رجلا أو يكون امرأة،فتقف امرأة على عمر بن الخطاب - وهو أمير المؤمنين الذي فتح الله له الأرض مشرقا ومغربا - تنصحه وتحضه على تقوى الله والعمل للآخرة،حتى تَضَايق رجل يرافق عمر،فقال أمير المؤمنين: دعها فإذا هى خولة بنت ثعلبة التي أنزل الله فيها سورة المجادلة.
ويقف الفاروق على المنبر يحض الناس على ترك المبالغة في المهور ليتيسر على الشباب الزواج،فتقوم له امرأة من بين الجمع،لم يقم منهم سواها،وترد على أمير المؤمنين بأن الله لم يحدد هذا،فقال عمر: كل إنسان أفقه من عمر!
وحينما كثر الكلام عن أمير المؤمنين عثمان،وظهر الثوار الساخطون،قامت أم سلمة تنصح أمير المؤمنين،وهو يستمع إليها استماع الابن إلى أمه،حتى انتهت من كلامها،فأظهر لها أنهم يزعمون أنهم على الحق،لكنهم أهل باطل غَرَّهم لِينُ الأمير ورفقه،فعلمت أن هؤلاء أهل فتنة وهَرَج.
ونعم الناصحة الرفيقة كانت نائلة بنت الفرافصة،حينما كانت تنصح زوجها الطاهر عثمان بن عفان وقت الأزمة بأن يستمع إلى مَنْ يَصْدُقُه النصحَ،لا إلى من يغشه وليس له رأي.
كان الدور الرئيس للمرأة في دولة الخلفاء الراشدين داخلَ بيتها،إلا أنها لم تكن حبيسة في دارها،ولا معزولة عن مجتمعها،بل كانت تشهد صلوات الجماعة،حتى صلاة الفجر،وتسمع بأخبار المسلمين،وتعرف ما يجري في الدنيا من حولها،إما عن طريق من تلقاه في المسجد،أو ما تسمعه من خطب الأمراء فوق المنابر،أو عن طريق رجال بيتها من الأبناء والآباء والأزواج.
والتحمت المرأة المسلمة في عهد الخلفاء الراشدين بمجتمعها أكثر،فشاركت في صنع بعض أحداثه،فسلمى بنت خصفة فكت أبا محجن الأسير يوم القادسية حينما شعرت بحاجة المسلمين إليه،فأبلى بلاء حسنا،وبذل مجهودا رائعا في القتال ضد الفرس،وصفية أم المؤمنين جاءت إلى عثمان