الصفحة 416 من 604

كبار الصحابة يرافقون أمهات المؤمنين كل عام إلى الحج... بل كان من أبناء المجتمع أغنياء ـ كعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان ـ يَصِلُونَ أمهاتِ المؤمنين بصلاتٍ وهدايا من أموالهم الخاصة.

وفي هذا الجو من الاحترام والتوقير لم تكن أمهات المؤمنين على هامش حياة المجتمع،بل كن في القلب منه،يشاركن في الحياة العلمية،ويروين من حياة رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ما لا يعلمه غيرهن،ويسعين لإحقاق الحق ورد الباطل،فقد حاولت صفية ردَّ العدوان عن عثمان،وكانت ترسل إليه الطعام والشراب من بيتها،ووقفت عائشة مطالبة بقتل من قتل أمير المؤمنين عثمان،ورأت أن هذا هو الموقف الصواب.

وإدراكا لحرمة أمهات المؤمنين وقف علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس في وجه من أراد أن يقسِّم أسرى وسبايا وقعة الجمل،فقال علي وابن عباس لهم (وهم الخوارج) : من منكم يرضى أن تكون أم المؤمنين في نصيبه؟! فبُهت المطالبون وسكتوا!

لقد كان الخليفة الراشد الأول أبا لإحدى أمهات المؤمنين ( عائشة بنت أبي بكر ) وكان الخليفة الثاني أبا لأخرى من أمهات المؤمنين ( حفصة بنت عمر ) فكان برهما بأمهات المؤمنين صلةَ رحمٍ وحفظًا لحق النبي وحرمته.

مع أن الله ـ تعالى ـ يبغض الشرك وأهله،ولا يرضى لعباده الكفر،إلا أنه نهى عن إكراه الناس على ترك أديانهم ومللهم،كما أمر بالعدل والقسط في معاملة المسالمين من غير المسلمين،وخاصة أهلَ الكتاب ومَنْ لحق بهم من المجوس والصابئة،وسماهم الإسلام"أهل الذمة"أي أصحاب العهد والاتفاق على المسالة مع المسلمين ماداموا محافظين على التزامات معينة.

ولم يشأ الإسلام أن يأمر بقتل هؤلاء قتلًا ماديا ولا معنويا،والقتل المعنوي يكون باعتزالهم ونبذهم وقطع كل قنوات الاتصال معهم،بل فتح أمام المسلمين أبواب الزواج من نسائهم،والبيع لهم والشراء منهم،وأشركهم في تدعيم الوطن وبنائه بالجزية التي يدفعونها"لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا"،كما أحلَّ أكل المسلم من طعامهم،وأكلهم من طعامه...

ولم يكن ذلك أفكارا نظريةً وردت في القرآن والسنة فحسب،بل إنها مبادئ راسخة طبقت في أغلب فترات التاريخ الإسلامي،بما لا مثيل له في تاريخ أمة من الأمم،ويمثل عصر الراشدين أحد النماذج على ذلك،سواء في جانب حماية عقائد الناس،أم الرفق بأهل الذمة،وحتى حينما أجلى الخلفاء بعض أهل الكتاب من اليهود والنصارى عن الجزيرة لم يكن في ذلك ظلم ولا تحامل،وحينما تحاشى الخلفاء إسناد وظائف الدولة العامة إلى أهل الكتاب فإنما فعلوا ذلك رعاية للمصلحة.

ولم تكن معاملة أسرى الحرب من غير المسلمين قسوة مطلقة،وإنما ارتبطت أيضا بالمصلحة العامة للمسلمين،فربما عفا الخليفة عن الأسير،وربما أخذ فيه الفدية.. إلخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت