الصفحة 417 من 604

ونتيجة لهذا كله كان موقف سكان البلاد المفتوحة من المسلمين موقف المرحِّب المُعِين في أحيان غير قليلة،وهو ما ازداد مع ازدياد معرفتهم بالمسلمين وعدلهم الذي أزاح الاضطهاد الشديد الذي أنزله الرومان والفرس بالناس.

إن أغلى شيء لدى الإنسان هو عقيدته التي يؤمن بها،مهما يكن شكل هذه العقيدة،ولو كانت طقوسًا وطلاسم غريبةً لا تقنع عقلا ولا تُشبعُ روحًا،وقد تمكن المسلمون بفتوحاتهم في عهد الراشدين من السيطرة على ملايين من البشر يخالفونهم في العقيدة والدين،ما بين يهودي ونصراني ومجوسي وصابئي ومشرك،وفى كل دين مذاهب وطرق عديدة تختلف فيما بينها اختلاف النقيض غالبا ـ وبالرغم من أن الأجواء التي سبقت الفتح كانت مملوءة بالاضطهاد الديني لأهل البلاد المفتوحة،فإن المسلمين حملوا راية القرآن مكتوبًا عليها: ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) ،فالحق المستقيم واضحٌ والباطل المعوجُّ ظاهرٌ،ولايحتاج إلى إكراه أو إرغام،لذا لم يشهد عصر الخلفاء الراشدين حالة واحدة لإخراج إنسان من دينه بالقوة،نعم حارب أبو بكر المرتدين الذين اختاروا دينا غير الإسلام،لكن ذلك لأن الردة لعب بالدين يجرح قداسته،وأيضا صالح عمر قبيلة تغلب واشترط عليهم ألا يُنَصِّرُوا أولادهم،وألا يربُّوهم على دينهم،ولم يفعل ذلك إلا لِكبْرِهِمْ وعنادهم،كما أنه لم يُكره الكبار على ترك نصرانِيَّتهم.

لقد كانت الدعوة إلى الإسلام تتوقف عند حدود النصح وإرشاد العباد،ولا تتعدى ذلك إلى الضغط أو الإكراه مهما كان مقام الداعي،فأمير المؤمنين عمر يدعو عبدًا نصرانيًا لديه وامرأةً مشركةً قصدته في حاجة ـ يدعوهما إلى الإسلام برفق ولين،ولا يفرض سلطته على العبد النصراني ولا يستغل حاجة المرأة المشركة إليه ليدخلها في الإسلام،فلما رفضا الاستجابة له قال:"اللهم إني أرشدت ولم أُكْرِهْ"كأنه يعتذر إلى ربه ومولاه من أن يكون في دعوته لهما أيُّ ضغط أو إكراه.

وقد ترك الراشدون لأهل الذمة إقامة شعائر دينهم،على ألا يعلنوا ذلك وسط المسلمين،وألا يَدْعُوا مسلما إلى دينهم،وبقي لكل طائفة رئيس،يرجعون إليه،ويتحاكمون في المشكلات القائمة بينهم.

ولم يكن حرص الخلفاء ونوابهم على حماية عقائد الناس قاصرا على المواقف الحياتية السريعة،بل كانت الوثائق وعهود الصلح المبرمة بين المسلمين وبين غيرهم تُضَمَّنُ حرية الناس في الاحتفاظ بدينهم،وصيانة أماكن عبادتهم ـ كما تُضَمَّنُ حفظ دمائهم وممتلكاتهم.

يمثل الزواج أقوى صورة للتداخل الاجتماعي بين الغرباء،فبين لحظة وأخرى يتحول البعيد إلى قريب،والغريب إلى صِهْر ونسيب،وقد أباح الإسلام الزواج من الكتابية،وضمن لها في ظل زوجها المسلم أن تحتفظ بدينها متى شاءت البقاء عليه،وكان الزواج من الكتابيات إحدى صور النكاح الشرعي الذي وجد في عهد الخلفاء الراشدين،حتى إن عثمان بن عفان نفسه صاهر رجلًا نصرانيا من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت