الصفحة 418 من 604

أهل العراق بزواجه من نائلة بنت الفَرَافِصَةِ وهي نصرانية،ثم أسلمت على يدي أمير المؤمنين،وكانت من أرفع نسائه منزلةً عنده.

وقبل ذلك تزوج المهاجرون والأنصار من أهل البلاد المفتوحة دون أن تُغَيِّر الزوجة دينها،وجرى ذلك وقت الحرب حينما قلَّت المسلمات،وبعد أن هدأ صوت الحرب: منهم من ظل محتفظا بزوجته،ومنهم من طلق.

لكن الخلفاء كانوا يقدرون في ذلك المنافع والمفاسد،فالرجل صاحب المنصب الرسمي في الدولة يخشى عليه من الزواج بالكتابية؛ مخافة أن يكون ذلك بابا للإضرار بمصالح المسلمين،والاتساع في الزواج من الكتابيات قد يضر بالمسلمة،ويضيِّق فرصتها في الزواج،ولذلك أمر عمر بن الخطاب حذيفة بن اليمان بعدما ولاه أميرًا على المدائن بتطليق كتابية تزوَّجها من أهل المدائن.

كان من وصايا رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ألا يبقى في جزيرة العرب دينان،فتلك الجزيرة بِنْتُ الإسلام وحده،ولا يحق لأحد أن يشاركه فيها،خاصة أن جميع الطوائف قد ناصبت الإسلام العداوة في هذا الصقع من العالم،والذي يقع فيه بيت الله الحرام وكعبته المشرفة،وشهد كلَّ خطوات الدعوة ومراحلها،وكافح الإسلام في هذا المكان حتى صارت له اليد العليا فيه،ويكفي أنه لم يُصْدِرْ حكما بالإعدام على من حاربوه وعادَوْه كل المعاداة حين تمكَّن منهم،أفلا يكون من حقه أن يخرجهم من حزام الجزيرة إلى خارجها..؟ ‍!

لقد شهد عهد الخلفاء الراشدين إجلاء فريقين من أهل الكتاب عن جزيرة العرب،وهما: أهل نجران،واليهود،وجاء ذلك في بعدين: أحدهما تنفيذ الوصية النبوية،والثاني استغلال المسلمين لحقوقهم في الشروط التي شرطوها لأنفسهم عند مصالحة هؤلاء،فقد صالح المسلمون هاتين الطائفتين على أن يكون من حقهم إجلاؤهم متى شاءوا،أو في حال مخالفتهم للشروط التي أخذوها على أنفسهم.

مع أن الوصية النبوية بألا يبقى في جزيرة العرب دينان،واضحة كل الوضوح،إلا أن الخلفاء الراشدين لم يُجْلُوا أحدًا من اليهود والنصارى عنها إلا بسبب وظلم منهم،فقد عقد رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ سنة عشرٍ من الهجرة صلحا مع أهل نجران على ألا"يُفْتَنَ أسقف عن أسقفيته ولا راهب عن رهبانيته"وكان من بنود الصلح ألا يأكلوا الربا،وجاء أبو بكر فكتب لهم كتابا مثل ذلك،واشترط عليهم ما اشترطه رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ قبل ذلك وبقي القوم في أمان ما داموا حافظين للعهد،صائنين لشروطه.

ومر الزمن وتغيرت الأيام،فاشتاق القوم إلى آثامهم القديمة،واستجابوا لرغبات أنفسهم وأهوائها،فأكلوا الربا وباعوا به واشتروا،وزاد عددهم حتى بلغوا أربعين ألفًا،فدب الحسد بينهم وتنازعوا،وبلغهم الثراءُ الكبيرُ الذي استفاده المسلمون في البلاد المفتوحة فرغبوا في سُكْنَى الشام،والعراق،فلبى لهم عمر أمير المؤمنين طلبَهم،على حُبّ منه لإجلائهم عن الجزيرة إلى ناحية أخرى،وكتب لهم كتابا بذلك كان عثمان بن عفان أحد شهوده،وأوصى عمر بهم خيرا،وأعطاهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت