الصفحة 419 من 604

أرضا بدلا من أرضهم التي تركوها باليمن،وحين شعروا بالغربة في الأرض الجديدة رجوا عمر أن يعيدهم من حيث أتوا،لكنه رفض ذلك ... وفى خلافة عثمان بن عفان نالهم نصيب من رفق أمير المؤمنين،إذ خفف عنهم الجزية حين رأى حالهم قد تغيرت.

في سنة سبعٍ من الهجرة حقق المسلمون نصرًا حاسمًا على اليهود في غزوة خيبر،حيث حطموا سيطرة اليهود وأَنْهَوا نفوذهم في الحجاز،وأمر رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ هؤلاء اليهود بالجلاء عن الحجاز،أمْنًا لمكرهم،ودفعًا لشرِّهم،إذ كانوا بين الحين والآخر يدبِّرون مكيدة أو أخرى للإسلام وأتباعه،ويجمعون أعداء الإسلام في الجزيرة لِكَسْرِ جناحِه والقضاءِ على قوَّته...

لكنهم راحوا يلتمسون من رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ وقد أمرهم بالجلاء ـ أن يبقيهم في أرض خيبر يزرعونها له،فهم أعرف بها،فوافقهم الرسول على ذلك مقابل أن يأخذوا نصف ما تخرجه الأرض من الزرع والثمر،واشترط عليهم أن يُجليهم متى شاء...

ومع أن هؤلاء اليهود قد قص النبي أجنحتهم،وجرَّدهم من سلاحهم،إلا أن الحقد ظل حيا في صدورهم،فقتلوا مسلما من الأنصار،وتركهم رسول الله لما لم يتيقن من أنهم أصحاب الجريمة،ودفع هو دِية القتيل.. وفي عهد عمر بن الخطاب جددوا أعمالهم الخبيثةَ،فأعانوا على قتل مسلم،وهاجموا عبد الله بن عمر تحت ظلمة الليل وأصابوه في يده،فعلم أمير المؤمنين أنهم مدبرو هذه الحوادث كلها،فليس للمسلمين عدو في هذه الجهة سواهم،فعزم على إخراجهم إلا من كان لديه عهد من رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ بالبقاء،ووافق المهاجرون والأنصار عمر على رأيه،وأجمعوا عليه،فأخرج اليهود من خيبر وفدك إلى تيماء وأريحا،بظلم منهم وعدوان.

إنها سحب خير أمطرت حتى عم نفعُها المسلم وغير المسلم،إذ كان عدلُ الخلفاء ورحمتُهم ورفقُهم أخلاقًا عامةً يتعاملون بها مع الجميع،ما لم يعتدوا على حرمة،أو يستهينوا بمقدَّس،فهذا أبو بكر ينهى جيوشه عن التعرض لمن لا شأن لهم بالحرب من الأطفال والنساء والشيوخ،والرهبان الذين فرغوا أنفسهم للعبادة،وهذا عمر يسقط الجزية عن يهودي طاعن في السن حين يراه يسأل الناس،بل يأمر له بصدقة من بيت المال،ويأمر بصدقة أخرى لقوم من النصارى أصابهم الجذام،ويوفِّرُ لهم القوت،وامتنع الفاروق عن الصلاة في كنيسة القيامة مخافة أن يتخذها المسلمون مصلَّى من بعده،ويغصبوها من أهلها،وخفف عثمان الجزية عن أهل نجران حينما ضعفت مراكزهم المالية ...

لقد كان نهجا ساروا عليه،اتسم بالرفق والرحمة،وبَعُدَ عن العنف والشدة،سواء في ناحية الجزية وأدائها،أم حفظ الممتلكات وصيانتها،أم منح الحرية العقائدية والبعد عن الاضطهاد الديني.

وتعدى هذا الرفق من الخلفاء إلى رجالهم ونوابهم،بل إلى الرعية نفسها،فعمرو بن العاص يحسن إلى راهب القبط الأكبر،ويرده إلى منصبه بعد الاضطهاد الكبير الذي لقيه من الرومان،ويمنح نصارى مصر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت