الصفحة 420 من 604

حريتهم الدينية،ويتولى أحد المسلمين قسمة البيوت بين الفاتحين وبين أهل دمشق بناء على شروط الصلح،فيترك الدور العلوي للرومي،ويترك للمسلم الدور السفلي لئلا يضر بالذمي...

بل كان هناك رفق خفي من الخلفاء بأهل الذمة،إذ منعوهم من مخالفات الفطرة الصريحة،مثلما فعل عمر بن الخطاب من الأمر بالتفريق بين الزوجين المجوسيين إذا كانا محارم.

ولم يكن عتق الرقاب وقفًا على الرقيق المسلمين،بل ربما أعتق المسلم عبدًا أو أمةً من أهل الكتاب،كما فعل عمر وعليّ.

ثقيل هو الظلم على النفس،وهو أثقل ما يكون حين يتصل بالدين،حين ترى الرجل يُضْطَهد من أجل عقيدته،ويحاول ظالمُه أن يصرفَه بالقوة عنها،وقد كان العديد من البلاد قبل الفتح الإسلامي لها خاضعا لأنواع عديدة من الظلم،فهنا ظلم سياسي وهنا ظلم اقتصادي،وهنا اضطهاد ديني،وهناك كل هذه الأنواع من الظلم مجتمعة،فيستولي أصحاب السلطة على كل شيء،ويسخرون ثروات البلاد لخدمة أغراضهم،ويذيقون الناس أنواع الهوان والعذاب لأنهم يخالفونهم لا في الدين ولكن في المذهب...

وجاء الإسلام في هذه الأجواء على النقيض من ذلك،فحمل السماحة والرأفة في قلوب أصحابه،والإيمان التام بوجوب إعطاء الناس حريتهم الدينية،بحيث لا يُرْغَمُون على شيء،إذ لا خير في دين ولا مذهب يتبعه المرء مكرها.

كما وازن المسلمون في تحصيل أموال الخراج والجزية والعشور،بحيث لا يرهقون الناس،ولا يفقدون هذه المصادر المالية المهمة للدولة...

لذا رأى سكان البلاد المفتوحة أن المسلمين جاءوا نسائم رحمة لا سيوف نقمة،فكان بعضهم يساند المسلمين ضد الرومان والفرس كما جرى في مِصْرَ وحِمْصَ وغيرهما،وبدلا من أن يتحول الفتح مع الزمان إلى احتلال آخر يمتص دماء الناس ـ أخذت قاعدة الإسلام البشرية تتسع،وازداد أتباعه ومعتنقوه،بينما تحلل كثير من الأديان والملل الأخرى أو قلَّ أتباعها.. وصارت البلاد لا بلاد المصريين وحدهم،ولا الشاميين وحدهم،ولا الفرس وحدهم،وإنما صارت بلاد المسلمين أجمعهم،من كل الأشكال والألوان.

"كنت عبدا نصرانيا لعمر فقال: أَسْلِمْ حتى نستعين بك على بعض أمور المسلمين؛ لأنه لا ينبغي لنا أن نستعين على أمورِهم بمن ليس منهم،فأبيت،فقال: لا إكراه في الدين.."هكذا يحكي أحدُ الروم عن الخليفة القوي المهيب عمر بن الخطاب،فدولة الخلفاء الراشدين لا تولّي غير المسلمين سلطةً فيها إلا عند الحاجة والضرورة،لذا اعتمدت الدواوين عليهم لانعدام الخبرة الخاصة بذلك لدى المسلمين.

إن المسألة هنا لها قاعدة أعم وأشمل من الواقع،فإمام المسلمين العادل الحريص على مصلحة رعيته يُوكَلُ إليه تقدير المصلحة والمفسدة في تولية غير المسلمين بعض المسئوليات،وبالنظر إلى دولة الخلفاء الراشدين سنجد أنهم اعتمدوا على غير المسلمين في الأمور التي لا قدرة للمسلمين عليها،أما إذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت