الصفحة 421 من 604

استغنوا بالمسلمين فهذا أولى من تولية غيرهم،خاصة أن الدولة قد دخلت في حروب واسعة ضد الكثير من الأمم،فليس من المأمون أن نضع السلطة في يد غير المسلمين وقومهم في حرب وصراعٍ مع المسلمين.

إلا أن المسلمين حرصوا تماما على أن يتولى الشؤون الخاصة بأهل الذمة رجلٌ منهم،فاليهود لهم رأس الجالوت يرجعون إليه،والنصارى لهم البطرك الأكبر،ولم يكن الخلفاء يفرضون واحدا معينا لزعامة أهل الذمة،ولو كان من بينهم،بل اختار كل فريق رئيسه بحريته التامة.

وإذا كان للوليد بن عقبة جليسٌ نصرانيٌّ دعاه إلى الله حتى أسلم،فقد كان عمر بن الخطاب يحذر من مجالسة المشركين.

إن مما ضمن للإسلام الخلود ودوام الصلاح في كل زمان،أنه ترك بعض الأمور بلا حل قاطع،وجعل اختيار الأنفع فيها تبعا للمصلحة،ومن هذه الأمور معاملة أسرى الحرب من غير المسلمين،فإن شاء إمام المسلمين مَنَّ عليهم بالحرية بغير مقابل،وإن شاء فداهم بالمال،وإن شاء قتل رجالهم وسبى النساء والأطفال،وإن شاء اتخذ الجميع رقيقًا.

وقد عمل الخلفاء الراشدون بهذه القاعدة فنظروا إلى المصلحة فيما يعملون،وراعوها وحفظوها،حتى لا يكون لموضوع الأسرى الذين بلغوا أعدادًا هائلة أيُّ آثار جانبية تضر بالمجتمع المسلم،فمال أبو بكر إلى قتل الرجال من الأسرى منعا لتقوِّي العدو بهم في تلك الفترة الحساسة التي حكم فيها الصديق،والتي شهدت الردة وحروبها الكثيرة،وأما عمر بن الخطاب فكان يفرق بين أسرى العرب وأسرى غيرهم،فكان لا يفرض على العرب رِقًَّا،وإنما يفديهم أو يقتلهم أو يعفو عنهم بغير فداء،في حين كان أسرى العجم يتعرضون للرق،لذلك امتلأت بلاد المسلمين بالرقيق من العجم،وفتح هذا بابا للخير وبابا للشر،فأما باب الخير فقد خالطوا المسلمين ورأوا عاداتهم وأخلاقهم فأسلم كثير منهم،ونشأ من ذرياتهم علماء وزهاد كثيرون،كالحسن البصري ومحمد بن سيرين،وأما باب الشر،فقد انتقل كثير من هؤلاء الرقيق إلى المجتمع المسلم بعاداتهم وتقاليدهم وعقائدهم،فكانوا عوامل سلبية فيه،وأما عثمان بن عفان فقد كان كثيرا ما يسترِقُّ الأسرى.

كان لابد من ضبط العلاقة بين المسلمين وبين غيرهم في داخل حدود الدولة الإسلامية،حتى يعرف كل طرف حقوقه وواجباته،ومن هذه الحقوق وتلك الواجبات تُعْرَفُ صحة التصرفات وخطؤها،وقد عقد المسلمون عشرات من عقود الصلح وعهود الذمة،كان بعضها بناء على طلب من غير المسلمين كما حدث عند فتح بيت المقدس،وبعضها الآخر،عقد في أعقاب انتصار المسلمين على أعدائهم،حيث تصان دماؤهم،ويفرض عليهم الصلح،كما حدث عند فتح حمص ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت