فهرس الكتاب
وقد دارت حقوق أهل الذمة في هذه العهود عموما حول تأمين أرواحهم وممتلكاتهم ودور عبادتهم،في مقابل دفعهم الجزية وعدم مساسهم بدين المسلمين ولا أعراضهم،وإذا خالف الذمي ذلك فقد نقض العهد.
وقد رعى المسلمون هذه العهود في مجملها،حتى كان عقد الذمة لدى الفرق المتشددة - كالخوارج - أقوى من الرابطة التي تربطهم بالمسلم المخالف لهم في بعض الأفكار،لذلك مرَّ بالخوارج رجل نصراني فتركوه حفظًا لعهد الذمة،ومر بهم عبدالله بن خباب بن الأرت فقتلوه وقتلوا زوجته معه،فحاربهم أمير المؤمنين علي في النهروان لاستحلالهم دمَ مسلمٍ بغير حق.
لقد حاولت الإمبراطوريات الكبرى قبل الإسلام السيطرة على كل شيء في حياة الناس،فلم يكتف الملوك وأعوانهم بحيازة جل المنافع الاقتصادية لأنفسهم،وتركيز السلطة في أيديهم،وإقصاء الشعوب وإزاحتها إلى هوامش الحياة ـ بل تعدوا ذلك إلى الاضطهاد الديني،ومحاولة خلع الناس من عقائدهم،فاضطهد الفرس الأقليات الدينية الموجودة لديهم،ونشروا دين زاردشت وما فيه من شهوانية طاغية ليقتلوا روح الأخلاق والتدين لدى الناس،وأصر الرومان على توحيد مذهب سكان الإمبراطورية الرومانية ومعتقدهم في المسيح عليه السلام،ليكون الجميع تابعين لمذهب كنيسة القسطنطينية،ونال المخالفين كثير من العنت والاضطهاد،وكان قسط الأقباط في مصر من هذا الاضطهاد هو الأكبر،فقد تبنت كنيسة الإسكندرية عقيدة في المسيح تخالف ما ذهب إليه رجال الدين في القسطنطينية،ونشب الشر بين الفريقين،حتى لحق بالمصريين كثير من التنكيل والتعذيب،وقبيل مقدم الإسلام إلى مصر كان القبط يعيشون مأساة كبيرة في مواجهة مذهب الدولة الذي تبناه المقوقس،فَقُتِل رجال الدين،فضلا عن عامة الناس،وفر بنيامين كبير القبط من وجه الرومان...
وجاء الفتح الإسلامي بسماحة أهله وعدلهم كما يأتي الماء البارد للرجل شديد العطش،فأنقذهم من قبضة الاضطهاد،وأعطاهم حريتهم الدينية،لذلك وثق أهل البلاد المفتوحة في المسلمين،وساعدوهم في بعض المواقف.
إن مقارنة سريعة بين أوضاع مصر والشام والعراق وفارس قبل الفتح وبين أوضاعها بعد فتح المسلمين لها تكشف الحقيقة جلية،فقد كان الرومان في مصر ـ مثلا ـ يأخذون من القبط ضريبة حتى على الموتى حينما يُشيَّعون إلى قبورهم،أما المسلمون فقد تركوا لأهل الذمة حرية تشييع جنائزهم علانية وفي جمهرة منهم،بل كان المسلم إذا رأى ميتا ـ مهما يكن دينه ـ قد حُمِل على الأعناق قام احتراما لهذه النفس ـ كما فعل رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ حين مرت به جنازة ليهودي.
جاء الإسلام والرق نظام اجتماعي ثابت ومعمول به،ولم يكن ممكنا أبدا إلغاء هذا النظام مرة واحدة،إلا أن الجاهلية كانت تفتح أبواب زيادة الرقيق وتغلق أبواب عتقهم،فقد يصبح الرجل عبدا لأنه عجز عن دفع دين عليه،أو لأن اللصوص اختطفوه وباعوه،أو لأن قبيلة أغارت على أخرى