الصفحة 423 من 604

فاختطفت من رجالها ونسائها،وقد يفقد الحر حريته بسبب احتلال أجنبي لبلاده وأرضه،فجاء الإسلام وجعل عتق الرقاب قُربةً يتقرب بها العبدُ إلى ربه - سبحانه وتعالى،وأغلق جميع أبواب استرقاق الأحرار وجرَّمها،سوى من يرى الأمير استرقاقهم من أسرى الحرب.

ومن ظلم الجاهلية للرقيق أيضا أنها كانت تعطي السادة حرية التصرف التام في عبيدهم لا بالبيع والشراء فحسب،ولكن بالقتل والإحياء أيضا.

أما الإسلام في سموه ورفعته فقد غير اسم العبد إلى المولى وجعله أخا لمالكه،وفرض الإحسان إليهم،وإطعامَهم مما يَطعَم السادة وإلباسَهم مما يَلْبَسُون.

وقد امتاز حال الرقيق في عصر الخلفاء الراشدين بأشياء،أهمها: ازدياد عدد الرقيق بصورة هائلة،وفتح باب المكاتبة أو شراء الرقيق نفسه من السيد،كما شاع أمر الخلفاء والصحابة بالرفق بهم وإحسان معاملتهم موافقة لروح الدين وتشريعاته الصريحة،وقد كان لهؤلاء الرقيق تأثيرهم في حياة المسلمين بما يحملون من عادات وتقاليد ومهارات.

حارب المسلمون في الفتوحات جيوشا كبيرة العدد،وافتتحوا مدنا مأهولة بالسكان،وانتصروا في أكثرية المعارك التي خاضوها،فوقع في أيديهم آلاف وآلاف من أسرى العدو.. وحُكم الدين في هؤلاء أن يحكم وليّ أمر المسلمين فيهم بما يناسب مصلحة الأمة،من العفو أو أخذ الفدية أو القتل أو الرق،وفضل أغلب الخلفاء الاسترقاق على القتل،ميلا إلى الرفق،وحبا لانتفاع المسلمين بهؤلاء الأسرى.

وإذا كان عدد الرقيق ونسبتهم قد ازدادت في المجتمع المسلم عما كانت في المجتمع الجاهلي،فإن ظروف الحروب الكبيرة والمتواصلة هي التي أدت إلى ذلك،في الوقت الذي نجح فيه الإسلام في إغلاق أبواب الاسترقاق وروافده الأخرى،كما أن تحبيب عتق الرقيق إلى المسلمين والأمر بالرفق بهم ـ قد غيرا معالم حياة الرقيق تماما.

لقد أصبح اتخاذ الرقيق في هذا المجتمع أمرا عاديا يفعله كل مسلم تقريبا،واتخذ الصحابة أنفسهم رقيقا من أسرى الحروب،كالمغيرة بن شعبة والزبير بن العوام،وأنس بن مالك وغيرهم.

بل إن من الصحابة من تزوج من الرقيق،كعلي بن أبي طالب الذي تزوج امرأة من بني حنيفة أُسرت في وقعة اليمامة،والحسين بن علي وعبد الله بن عمر ومحمد بن أبي بكر الذين تزوجوا بعض بنات أشراف الفرس.

ومن العلامات التي يعرف بها زيادة عدد الرقيق زيادة كبيرة في هذه الفترة - أن الرجل الواحد ربما كان له ألف من الأرقاء،كما كان حال عثمان بن عفان والزبير بن العوام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت