فهرس الكتاب
المكاتبة ـ أو شراءُ العبدِ حريتَه من سيده ـ تشريع قرآني حكيم،فتح أمام الرقيق بابا واسعا من الخير،ينالون بعده حريتهم كاملة،فيتفق العبد مع سيده على أن يعتقه مقابل قدر ما من المال أو غيره،وليس للسيد أن يرفض ذلك إن كان في المملوك خير أو استقامة.
ومن حكمة هذا التشريع أن المُكَاتَبَ أثناء بحثه عن المال الذي كاتب عليه،يثبت لمجتمعه أنه قادر على الكسب،ولو عاش حرا فلن يتحول إلى عالة يتحملها الآخرون.
وقد كان عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب يريان وجوب مكاتبة الرقيق إذا طلب ذلك،حتى رفع عمر بن الخطاب دِرَّتَه على أنس بن مالك حين طلب منه والد محمد بن سيرين المكاتبةَ فلم يرضَ أنس،وقرأ عليه عمرُ قول الله - تعالى: (... والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا...) [سورة النور] ،وكان الفاروق يجبر سادات العبيد على مكاتبتهم بالضرب إذا طلب العبد المكاتبة.
وكان علي بن أبي طالب يوجب إعانة السيد لعبده الذي يكاتبه،فيسقط عنه بعض المال الذي كاتبه عليه.
وحفظا لحق المالك حرص الخلفاء على إعادة المُكاتَب إلى الرق،إن عجز عن دفع ما كاتب عليه سيدَه. ومع ما في المكاتبة من ربح وفير للسيد في غالب الأحيان،إلا أن كثيرا من أبناء المجتمع أحبوا إعتاق الرقاب في سبيل الله،طلبا للثواب والأجر في الآخرة.
يتحاشى المسلم الحقيقي إهانةَ بشريةِ الإنسان ولو كان عبدا رقيقا،سواء بتسخيره في أعمال تشق عليه،أم باحتقاره وعَدِّه أقلَّ آدميةً من الأحرار.. وقد راعى الراشدون وأكثريةُ المسلمين في عهدهم إحسانَ معاملة الرقيق،إيمانا منهم بأن ذلك باب من أبواب رضا الله تعالى عن خلقه،وبأنه - سبحانه - لو شاء أن يجعل المالك هو العبد لفَعَلَ.
لقد ارتفعت إنسانية الإنسان حينئذ فلم يغرق في بحر الهوان مع وقوعه في الرق،بل كان يعامل معاملة حسنة،ويتأثر بدين سادته،حتى قَلَّ أن يبقى العبد على دينه إن كان سيده مسلما.. وكم ثار السيد وغضب لأخطاء رقيقه،فكَفَّر عن هذا الغضب بالعتق،كما فعل أبو هريرة وعلي بن أبي طالب وامرأةٌ من نساء عمرو بن العاص،وفى وقت الرضا كان عتق الرقاب قربة يتقرب بها المسلم إلى ربه،حتى أعتق حكيم بن حزام مائة رقبة،كما كان الرفق بالموالي قربةً أخرى يبحث بها المسلم عن ثواب الله تعالى،حتى كان عثمان بن عفان ـ وهو شيخ كبير ـ يستيقظ بالليل للصلاة،ويُعد ماء الوضوء بنفسه،فقيل له: لو أمرت الخَدَم لكَفَوْكَ؟ فقال: لا،إن الليل لهم يستريحون فيه!
ومع حق السيد في بيع مواليه ورقيقه،إلا أنه كان حراما عليه أن يفرق بين الرقيق وأمه وأبيه،ورأى أبو بكر جواز ذلك إن كان كبيرا مستغنيا عنهما.