الصفحة 425 من 604

ومن التشريعات التي امتازت بالرفق بالعبيد،وطُبِّقت في عهد الراشدين،تنصيف الحد عليه إن وقع في جريمة تستحق الحد،ومعاقبة السيد وتغريمُه إن كان هو السبب في هذه الجريمة،وكان عمر بن الخطاب يعتق العبد إن عاقبه سيده عقوبة خارجة عن حد الشرع،أو ألحقت به ضررا كبيرا،وكان في إمكان الرقيق أن يأتوا إلى أولياء الأمور ليشكوا إليهم ظلم السادة.

مثَّل الموالي في مجتمع الراشدين قوةً اقتصاديةً ضاربة،ولكن لصالح سادتهم،فقد كانت قيمة هؤلاء الموالي هي أنهم يتقنون صناعاتٍ غيرَ موجودةٍ لدى العرب،أو توجد في دائرة ضيقة جدا،وبالتالي كان السادة ينتفعون بهؤلاء الرقيق،فيعطونهم حرية العمل في مقابل خراج يدفعونه إليهم،وقد كان لأبي بكر غلام يدفع له خراجا،وكان للزبير ألف مملوك يؤدون إليه الخراج،وكان أبو لؤلؤة يعمل ويعطي سيده المغيرة بن شعبة درهمين كل يوم.

كذلك كان بيع الموالي أنفسِهم مما ينعش حركة المجتمع الاقتصاديةَ،وقد تفاوتت أثمانهم من واحد إلى آخر تبعًا لقدراته ومواهبه،وتبعا لهذه المواهب كان يتحدد خراج المولى لسيده،ولذلك رفض عمرُ بن الخطاب خفضَ خراجِ أبي لؤلؤة للمغيرة بن شعبة،فأبو لؤلؤة يجيد صناعات عديدة.

كذلك كانت المكاتبة بين السيد والمولى تُدِرُّ على المالك مالا كثيرا،فقد كَاتَبَ والد محمد بن سيرين سيدَه أنس بن مالك على عشرين ألف درهم،وكَاتَبَ أبو سعيد المقبري سيدته على أربعين ألف درهم،وكانت اشترته من سوق ذي المجاز بسبعمائة درهم فحسب.

وخوفا من الضغط على الرقيق ليكسبوا المال لسادتهم،كان عثمان بن عفان ينهى عن تكليف الرقيق الذي لا يجيد صنعة بدفع الخراج،حتى لا يسلك طرقا منحرفة للحصول على المال.

قبل أن ينزل الإسلام بساحة العرب لم يكن لهم علم ولا فن سوى بلاغة اللسان وجودة البيان،فبلغ القرآن منهم كل مبلغ حينما تحداهم فيما يُجيدون،ونزل بلسانهم وعجزوا أن يأتوا بمثله،فكان البيان القرآني بابا لتسليم قوم وإيمانهم،وبابا لجحود قوم وإنكارهم،فاتهموا رسول الله بالسحر حين وجدوا لفظا عربيا وتركيبا عربيا،لكن لا طاقة لهم بأن يأتوا بمثله !!

لقد غَذَّى القرآنُ لدى العرب عمقَ الإحساس بجودة الكلام وحلاوته،وبعد أن كان الشعر شاغلهم الشاغل،أخذ القرآن يحتل الساحة شيئا فشيئا،حتى اعتزل بعض الشعراء قول الشعر،وانشغلوا بكتاب الله - تعالى..

وكان الشعر في عهد رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ جنديا قذف به في وجه الكفر،ووجَّهه توجيها واحدا في خدمة الدعوة ومهاجمة الكفر وأهله.. ولم تكن له مثل هذه المكانة في فترة الراشدين،إلا أنه بقي وسيلة قوية للتأثير،وخلص أغلبه للحديث عن الحرب ورثاء الكبار،واهتم بعضه بالهجاء والهجوم على الخصوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت