الصفحة 426 من 604

وكانت هناك مساحة واسعة في هذا العصر للاستشهاد بشعر السابقين،واشتهر الخلفاء الراشدون بذلك.

وكانت الخطابة ـ كلوْنٍ من البلاغة الرفيعة ـ ميدانا خصبا طوال عهد الراشدين لمناقشة قضايا الأمة في أسلوب رفيع وبلاغة رصينة. وينافسها في هذا الميدان الرسائل التي كثر تبادلها في هذه الفترة المملوءة بالأحداث الكبيرة.

الشعر أحد المستويات الرفيعة من التعبير،والشاعر لا يستطيع أن ينخلع من واقعه الذي يحياه،فلابد أن يمسّ في نظمه ما يجرى حوله وما يدور في بيئته،وقد كانت بيئة الأحداث في عهد الراشدين مملوءة بالحروب والملاحم،ولذلك كان للشعر صوته في التعبير عما يجري في هذه الحروب.

وفى الجاهلية كان صوت الشعر في الحروب والصراعات القبلية أعلى مما كان في حروب الراشدين وفتوحاتهم،وحروب الجاهلية كانت بين العرب وبعضهم البعض،كان صوت الشاعر المهاجم لعدوه،والمدافع عن قومه يخترق الحدودَ ليصلَ إلى مسامع القبيلة المعادية فتدرك معناه،وأما الفتوحات فقد كانت في مواجهة العجم الذين لاحظ لهم من لسان العرب،فمهما قيل من الشعر فلن يكون له أثر.

وينقسم شعر الحرب الذي ظهر في عهد الراشدين إلى: شعر الحماسة الذي ينشده الأبطال عند المبارزة والقتال،وشعر الاحتفال بالنصر والفخر به،وشعر رثاء الأبطال والحديث عن الهزيمة.

كما شكا البعض من الحرب وثمنها الغالي،وهي الفرقة بين الأحباب،فجاء رجل إلى عمر بن الخطاب يشكو له شعرا خروج ابنه إلى قتال الفرس وتَرْكَه والديْه الكبيرَيْن بلا رعاية،فَرَقَّ عمر للرجل وتأثر بشعره وكلماته الصادقة،فأمر برد الجندي إلى والديه،ولامت النابغةَ الجعديَّ امرأته لخروجه إلى القتال وتعريضه نفسه للخطر،فنظم أبياتا يذكر فيها أن هذا أمر وفرض قد كتبه الله عليه.

وهكذا تفاعل الشعر مع أحداث الحرب،فتناولها في أحداثها الكبيرة،وفى أعمالها الصغيرة.

صوت النشيد الذي يرتفع في ساحات الحرب يفعل نفس سامعه ومنشده فعل السحر،يَحْفِزُ الهممَ،ويُقَوِّي النفس على الثبات.. وقد كان العربي يدخل المعركة،ويشارك في المبارزة،فتنطلق حنجرته بالشعر مفتخرا بنفسه أو بقومه،ليهز معنوياتِ خصمه،وتَثْبُتَ قدمُه في وجه عدوه،وانتقل العرب إلى الإسلام،ومعهم هذه العادة.. حتى ارتجز النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ في حنين ليجمع المسلمين حوله،وارتجز أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في خيبر في مواجهة خصم عنيد من اليهود.

وقد ضغطت الحرب على المسلمين يوم اليمامة،وعضَّتْهم بأنيابها،فعاود خالد بن الوليد الهجومَ بجندِه على عدوِّه الكافر وهو ينشد الشعر ويتغنى به حتى انتصر المسلمون.

وعندما انتقلت المواجهات إلى ساحات أخرى في فارس والشام والعراق،لم يختف شعر الحماسة الذي ينشده الجندي أثناء القتال،مع أن العدو في الغالب لم يكن يعلم معنى هذا الشعر،فرأينا عكرمة بن أبي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت