فهرس الكتاب
جهل والقعقاع بن عمرو يوم اليرموك يشعلان الحرب وهما ينشدان الشعر،وفى يوم أرماث من القادسية انطلق صوت غالب بن عبد الله الأسدي وعاصم بن عمرو التميمي بشعر حماسي قوي... بل إن القائد الفارسي مهران راح يوم البويب ينشد الشعر العربي مفتخرا بقدرته وقوته،ومقلدا في ذلك العرب الذين تربى بينهم في اليمن...
هذا،وقد قيل شعر الحماسة بكثرة في المعارك والمبارزات التي نجمت عن الخلافات الداخلية بين المسلمين في عهد عثمان وعهد عليّ ـ رضي الله عنهما.
بعد أن تسحب الحرب ذيولها،وتبذل النَّفَسَ الأخير منها،ويسكن التراب المتطاير ويرجع إلى أمِّه الأرض ـ تنكشف الحقائق،وتظهر النتائج،والنفس البشرية يُسعدها النصر،ويحزنها الانكسار والهزيمة،وقد تجاوب الشعراء المسلمون مع الانتصارات الكثيرة التي حققها الفاتحون،وعبروا عن سعادتهم بهذه الانتصارات،وطار كل شاعر فرحا مفتخرا بما قدمه قومه،أو قدمه هو من جُهْد في مقاومة العدو وكسر شكوته ...
لقد كان العربي في جاهليته يفخر بانتصاره على قبيلة قد تكون ضعيفة غير خبيرة بأمر الحرب،ويفخر حينما يفلح في الإغارة المفاجئة على قوم،أما اليوم فالمسلمون قد انتصروا على أقوى الأمم في زمن الراشدين انتصارات غيَّرت وجهَ العالم،حتى زال حكم الفرس ودولة بني ساسان تماما،وفقد الرومان جزءا كبيرا من دولتهم،وخاصة شرق بحر الروم وجنوبه،أفلا يحق للمسلمين ولشعرائهم أن يفخروا بذلك المجد الشامخ؟!
لقد فخروا ونظموا الشعر يحكون انتصارات الفاتحين،ففي القادسية رفع القعقاع بن عمرو صوته بالشعر يفخر بقتله الفِيَلَةَ وجنودَ العدو،وفخر بطل من قبيلة قيس حين قاتل أرطبون الروم في البحر فقتله وانهزم الروم،وفخر عِياض بن غَنْم بجموع المسلمين التي فتحت الجزيرة بيسر وسهولة...
إن الشهيد البطل هو الثمن الذي تُقْطَفُ به ثمار النصر،ولولا قوة قلب هذا الشهيد،وشدة ضربه في العدو لكان النصر حلما صعبا،وأمنية بعيدة ... وقد عز على المسلمين أن يفقدوا أبطالهم الشهداء،فحزنوا لفقدهم،وبكوا لفراقهم،وكان الشاعر لسان القوم الذي يعبر عن ذلك.. وإن كان المسلمون قد خفف حزنَهم على قتلاهم احتسابُهم شهداء عند الله،فقد كان حزن المشركين على قتلاهم لا يجد ما يخفف منه،فرثوا هم أيضا قتلاهم الذين لقوا مصارعهم على يد المسلمين...
بل انطلق الشعراء يرثون الشهداء المسلمين الذين قُتِلوا في الصراع الداخلي حين وقعت الفتنة.
وقد قام الشعر هنا بدور المؤرخ الذي يسجل بعض الأحداث التاريخية المهمة،كما امتاز في كثير من الأحيان بشحنة عاطفية كبيرة بثها الحزن وسط العبارات وملأ بها الكلمات،مثل قول كثير بن الغريزة التميمي يرثي شهداء المسلمين في معارك الجوزجان والطالَقان:
سقى مُزْنُ السحاب إذا استهلَّت