الصفحة 428 من 604

مصارع فتية بالجُوزجانِ

وما بي أن أكون جَزِعت إلا

حنينُ القلب للبرق اليماني

وربَّ أخٍ أصابَ الموتُ قبلي

بكيتُ ولو نُعيت له بكاني

وكان الزبير بن العوام أشهر الأبطال الذين رثاهم الشعراء من قتلى أحداث الفتنة.

يا لَلرِّجَال لِلُبِّك المخطوفِ

ولدَمْعك المترقرق المنزوفِ

ويحٌ لأمر قد أتاني رائعٍ

هَدَّ الجبال فأنقضَتْ بِرُجُوفِ

هكذا انطلق الشعراء يرثون الخلفاء الراشدين في شعر يُعتصر الحزنُ من كلماته،ويفيض الأسى من عباراته،وكيف لا والراشدون الأربعة هم السابقون لمن حولهم في الفضل والمنزلة ؟ وكيف لا ـ أيضا ـ وقد كان موت ثلاثة منهم بقتلٍ مؤلمٍ،تجرَّأ فيه الأشقياء على عمر وعثمان وعلي؟!

راح الشعراء يرثون الأربعة ويودِّعونهم،معبِّرين عن المُصاب الجلل برحيل كل واحد منهم،ومنوِّهين بفضلهم ومكانتهم،فهم أئمة عدل،وفرسان حرب،ورعاة لليتامى،تالون لكتاب الله،لا يخالف قولَهم فعلُهم ...

عينُ جودي بعَبْرةٍ ونحيبِ

ـ لا تَملِّي ـ علي الإمام النجيبِ

فجعَتْني المنونُ بالفارس المُعْـ

ـلِمِ يومَ الهياج والتلبيبِ

ومن أشهر المرثيات في ذلك رثاء خِفاف بن ندبة أبا بكر الصديق،ورثاء عاتكة بنت زيد زوجَها عمر بن الخطاب،ورثاء حسان بن ثابت وكعب بن مالك لعثمان بن عفان،وأبي الأسود الدؤلي لعلي بن أبي طالب.

إن الإسلام الذي لا يحب مَدْح الناس في وجوههم،إلا بما يدفعهم إلى المزيد من الخيرـ يكره كُلَّ الكراهية ويبغض كل البعض تَهَجُّمَ الألسن على الحرمات،واجتراءها على أعراض الناس وانشغالها بذم الخَلْق وشتمهم...

والشعر كلام من الكلام،يمكن أن يكون حسنا.. ويمكن أن يكون سيئا.. وفى جوِّ الخلاف الديني والسياسي لابد أن يخرج الهجاء برأسه،ويعلوَ صوته كسيف قوي يضرب في وجوه الخصوم،وقد كانت أحداث الردة حالة من حالات الخلاف الديني والصراع السياسي،وكانت الفتنة أيضا حالة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت