فهرس الكتاب
عكرمة بن أبي جهل،وخوفا من أن يكون شر أهل اليمامة أكبر من ذلك،بعث أبو بكر بقوات أخرى يقودها شُرَحْبِيلُ بنُ حَسَنة لتنضم إلى قوات عكرمة وكانت أنياب الشر ونيران الردة أكبرَ من هذه القوات وتلك،فقد جند مسيلمة معه أربعين ألف مقاتل،وخرج بهم يتحدى سلطة المدينة.. ومن لم يكن منهم مستعدا للدفاع عن مسيلمة ونبوته الكاذبة،فقد كان مستعدا للدخول في صراع مرير من أجل شرف قومه وقبيلته.
كانت الجبهة ساخنة تنبئ عن قتال ساخن وحرب طاحنة،فاستعجل عكرمة مصادمة المشركين بقواته قبل أن تنضم إليه قواتُ شُرَحْبيل،فلحقت به هزيمة سريعة أغضبت عليه أبا بكر.. ازداد مسيلمة وأتباعه بهذا النصر السريع انتفاخا وغرورا ورأوه مقدمة لما بعده من الانتصارات التي يسودون بها عربَ الجزيرةِ كلَّهم،وتطايرت الأنباء عن جيش المدينة الجديد الذي يقوده خالد بن الوليد وينتظر شُرَحْبيل الانضام إليه بقواته،ووصلت الأخبار إلى بني حنيفة فهابوا مقدم خالد،إلا أنهم كانوا أكثر ثقة في قواتهم... ويدنو ابن الوليد بجيشه من اليمامة ويوزع بعض قواته لتأمين ظهور المسلمين،ويظن شُرَحْبيل أن هذا إعلانٌ لبدء الحرب فيستعجل مصادمة المشركين ويبادر بقتالهم قبل أن يلقى خالدا،فانهزمت قوات شرحبيل أيضا،ليقضى الله في معركة اليمامة أمرًا كان مفعولا.
مات رسول الله ـ - صلى الله عليه وسلم - ،نعم،لكن هل سيموت الإسلام؟!! هلى سيقى أصحابه غريقين في الحزن على نبيهم الذي ودَّع الدنيا وترك الدين أمانة بين يدى أتباعه؟! إنهم يشعرون بالخطر يزحف على الدين،يهدد القرآن،ويهدد السنة،هل يصمتون؟!
لقد خلع جميع الصحابة ثياب الراحة،ولبسوا ثياب الجد والحرب،وتركوا الأغطية وسُقُفَ البيوتِ،وتغطَّوا بالسماء،وناموا فوق الخيول،فلا وقت للراحة إذا تَهَدَّدَ الدينَ شيئ.. وشهدت اليمامة أكبرَ مواجهات حروب الردة وأعظمَها دلالة على حب الصحابة لدينهم واستعدادهم للتضحية في سبيله،جَدَّ خالدُ بنُ الوليد وجيشُه في مسيرهم نحو اليمامة،لا يخشون إلا أن يَخْفُتَ صوتُ الإسلام إذا هُزموا،فلما بلغوا ثنية اليمامة أسَرُوا مَجَّاعة بنَ مُرَارة سيد بني حنيفة،وبَلَغَتْ مسيلمةَ هذه الأنباءُ فخرج وعسكر بعقرَباء في أربعين ألفا من قومه،ووضع على مقدمته الرَّجَّالَ بنَ عُنْفُوة،وجعل مُحَكَّم بنَ الطفيل من قادة حربه،وعسكر خالدُ بنُ الوليدِ بجيشه قريبا من المشركين في موضع يشرف على اليمامة،وراية المهاجرين مع سالم مولى أبي حذيفة،وراية الأنصار مع ثابت بن قيس،وعلى الميمنة والميسرة زيد بن الخطاب،وأبو حذيفة،وعلى المقدمة خالد بن فلان المخزومي.. وضرب خالدُ بنُ الوليد خيمةً جعل فيها زوجتَه أمَّ تيمم ومَجَّاعةَ مقيدا بالحديد.. وصوَّبَ خالد بصره إلى معسكر عدوِّه فرأى السيوف قد ارتفعت لامعة في أشعة الشمس،وثارت ريح الجنوب ومعها غبار،ثم وقعت الحرب واصطدم الجيشان،وكان قَتْلُ الرَّجَّالِ في صدر المعركة بشرى خير،غير أن بني حنيفة ضغطوا بكل قوة،وبحمية قبلية هائلة حتى دفعوا المسلمين عنهم،ووصلوا إلى خيمة خالد وحرروا مَجَّاعةَ من