الصفحة 462 من 604

الأسر،وأعاد المسلمون ترتيب أنفسهم وتنظيم قواتهم،وظهرت البطولات الفردية الرائعة من الصحابة حفَّاظِ القرآن،حتى هزموا المشركين،واضطروا مسيلمة ومَنْ بقي معه إلى اللجوء إلى حديقةٍ دارَ فيها القتال أشرسَ ما يكون حتى قُتِلَ مسيلمة،وانكسرت شوكة بني حنيفة،ولم يجد مَجَّاعة بنُ مرارةَ بُدَّا من مصالحة المسلمين والرجوع عن الردة.

بلغ من قوة اندفاع بني حنيفة في بداية المعركة أنْ زعزعوا صفوف المسلمين،وتقدموا حتى دخلوا خيمة خالد بن الوليد،وكأنهم سيل كاسح يأخذ ما يجده في طريقة،ولا يصبر في وجه السيل إلا جبل شامخ يصده،أو أخدود عظيم يبتلعه.

وراح الصحابة يلوم بعضهم بعضا على التراجع أمام المشركين،ويحث بعضهم بعضا على القتال والصبر في وجه العدو،ونادى خالد في جنوده أن يَتَمَايَزَ أهلُ كلِّ حىٍّ وحدَهم،حتى يَحْرِصَ كلُّ قوم على أن لا تأتى الهزيمة من ناحيتهم،"فامتاز أهل القرى والبوادى،وامتازت القبائل من أهل البادية وأهل الحضر،فوقف بنو كلِّ أبٍ على رايتِهم فقاتلوا جميعًا"...

وقاد أهلُ القرآن تلك الزحوفَ الراجعة،ومهَّدوا لإخوانهم الطريقَ،وانقضُّوا على عدوهم انقضاضَ العُقَاب على فريسته،ووقع أشرس قتال خاضه المسلمون ضد العرب،وقاد خالد بن الوليد الملحمة،وتقدم نحوَ المشركين يُنْشِد الشعر،وينادى بشعار جيشه في هذا اليوم: وَامُحَمَّدَاهُ،وَامُحَمَّدَاهُ.. فاهتزت قلوب المسلمين لنغمته كما تهتز الزهرة لمداعبة النسائم لها،واهتزت الأرض من تحت أقدام العدو،وراحت سيوف المسلمين تحصد أرواح المشركين حصدا،وخالد يقصد مسيلمة ليُنْهي هذا الصراعَ الدامىَ دون أن يصل إليه،حتى لجأ المشركون إلى الحديقة التي شَهِدَتْ هلاكَهم وهلاكَ نبيِّهم الكذابِ!!

للحروب رجال يصنعون النصر ولا يرونه،يملأون الوردَ والرياحين بالعطر الزاكي ولا يَشَمُّونه،وهؤلاء هم الشهداء.. ومَنْ أوْلَى بهذه الدرجة من أهل القرآن،إن القرآن لن يشفع لهم إنْ لم يعملوا به...

لم يدخر أبو بكر في المدينة أحدا من لآلئ الرجال الذين رباهم محمد ـ - صلى الله عليه وسلم - ،بل قذف بهم جميعا في وجه المرتدين،واختار لأهل القرآن أخطر المهمات وأجلَّها؛ لأنهم أهل للمواقف الصعبة والمواجهات الخطرة...

وكان جيش ابن الوليد في اليمامة معمورا بحُفَّاظ القرآن،فلما رأوا المسلمين تراجعوا أمام عدوهم في اليمامة حطموا جدران الخوف،وصرخوا في المسلمين،فمنهم مَنْ نادى: يا أهلَ القرآنِ زيِّنوا القرآنَ بالفعال،ثم قاتل حتى استُشهد،ومنهم مَنْ حمل الراية وقال: بئس والله حامل القرآن أنا إن لم أَثْبُتْ،وقاتل حتى استُشهد،ومنهم من قال: بئسما عوَّدتم أنفسكم يا معشر المسلمين،هكذا عني حتى أريَكم الجِلادَ والقِتال،فقاتل حتى استشهد،ومنهم من أقسم لا يتكلم اليوم حتى نهزمهم،أو يَلقى اللهَ فيكلِّمَه بحُجَّتِه،وأمر المسلمين أن يَعَضُّوا على أسنانهم،ويضربوا في عدوهم،ويَمضوا قُدُما لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت