فهرس الكتاب
يتراجعون،ففعلوا،فانتصروا،ونال الشهادة.. هكذا قال وفعل أبو حذيفة،وسالم مولاه،وثابت بن قيس،وزيد بن الخطاب وغيرُهم،وهكذا استُشْهدوا... وعَمَّتْ بركةُ استشهادهم جميعَ أجيالِ أمةِ الإسلام بجمع أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ للقرآن.
اشتد الكَرب ببني حنيفة وتخطفهم الموت،فذهبوا إلى نبيهم الكذاب يسألونه عما وعدهم من السيادة والعزة،وهو لا يكاد يعقل شيئا من الغيظ،وقد اسْوَدَّ الأُفُقُ أمام عينيه،وامتلأت الأرض حوله بالقتلى من قومه،فما سمع محكَّمَ بنَ الطفيل ينادى قومه أن يدخلوا الحديقة،حتى وجد ثقبا للنجاة،فأسرع وبنو حنيفة من ورائه يحتمون بالحديقة،ووقف محكَّم أمام باب الحديقة،بجسمه الضخم يقاتل قتالا شرسا حتى رماه عبدُ الرحمن بن أبي بكر بسهم في نحره فقتله.. وفَصَلَتْ جدارنُ الحديقة وبابُها بين المشركين وبين المسلمين،وقد غَصَّت الحديقة وامتلأت بالمقاتلين من بني حنيفة وفيهم رأس الفتنة مسيلمةُ،وبينما المسلمون يفكرون كيف يقتحمون الحديقة دون أن يُعطوا العدوَّ فرصة للفرار،صرخ فيهم البراءُ بنُ مالك كي يحملوه،ويقتحم على العدو الحديقة،فلما وضعوه على السور هبط على المشركين هبوط الصاعقة فقاتلهم عند الباب حتى فتحه أمام المسلمين،ودخل المسلمون وأغلقوا الباب.. وبين جدران الحديقة اقتتل الفريقان قتالا لم يروا مثله شراسة وشدة،ولم يجد أحد أمامه فرصة للفرار،حتى أُبِيدَ العدو،وبقي مسيلمة قد أَزْبَدَ فمُهُ واستند إلى جدار موقنا بأن نهايته وشيكةٌ،ورفع وحشي نفس الحربة التي قَتَلَ بها حمزة عم رسول الله بالأمس،ليُكَفِّر بها عن ذنبه العظيم،فلما أطمأن إلى دقة التوجيه صوَّبها فاخترقت جسم مسيلمة،وصرخ صارخ في الناس: قتله العبد الأسود.. قتله العبد الأسود!! لتموت فتنة مسيلمة،ويلتصق ببني حنيفة عارُ أنهم اتبعوا رجلا سفيها وأهلكوا أنفسهم من أجله،واستغلوا وفاة النبي ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ فرجعوا عن دين الحق إلى شَعْوَذَاتِ مسيلمة.
سبق طليحةُ بن خويلد الأسَدي إلى الشر ـ مثلَ الأسْوَدِ ومسيلمةَ فادَّعى النبوة قبل وفاة الرسول ـ - صلى الله عليه وسلم - ،وبعدها تفاقم شره وازداد،وتعصبت له بنو أسد والتفوا حوله،وانضم إليهم مالكُ بنُ نويرةَ في سبعمائة من بني فزارة،وتألَّمتْ غطفانُ لهزيمتها في ذي القَصَّةِ فحالفتْ بني أسد واجتمعت معهم في بزَاخَةَ،وفعلتْ طَيِّئُ مثلهم وإن بقيت على حدود أرضها ... وأما هوازنُ وبنو عامر فقد انتظروا ما تُسْفِرُ عنه المعركة المرتقبة بين المسلمين وبين عدوهم،وراحوا يقدِّمون رِجْلا ويؤخرون أخرى وتحرك لواء خالد بن الوليد من ذي القَصَّةِ بعد أن صافحَتْ عيناه وَجْهَ أبي بكر الأبيضَ النحيفَ،وبدأ خالد يدعو مَنْ يمر به من المسلمين للانضمام إلى كتائب الحق المجاهدة،ليتقوَّى بهم على عدوه،وينفتح لهم باب للخير والعمل الصالح.. لكنه بدلا من أن ينزل على عدوِّه ببزَاخَةَ مباشرةً راح يخادعُهم ويناورُهم،فجنح عنها ومال إلى أجَأ،وأظهر أنه خارجٌ إلى خيبرَ،ليهبط من هناك على طليحة وجنوده،فاطمأنت طيِّئ إلى أن موعد المعركة بعيد،وتأخرت عن مناصرة بني أسد.. كل هذا ولا يعلم أحدٌ بِنِيَّةِ خالد وقصدِه،فلوَى عُنَقَ فرسِه متجها إلى ديار طيِّئ ليبدأ بهم،وبعث عُكَّاشة بنَ مِحْصَن