فهرس الكتاب
وثابتَ بنَ أقرم طليعة يتعرفون أخبار بني أسد،فأما طيِّئ فقد جاء عدي بن حاتم الطائي بإسلامهم وإسلام جَدِيلةَ،وأما عكَّاشة وثابت فقد قتلهما طليحة وأخوه سلمة،لتقع المعركة الساخنة في بزَاخَةَ،حيث هُزِم بنو أسد وحلفاؤهم،وفر طليحة ناجيا بنفسه وأهله وتيقن أنصارُه من كذب ما يدّعيه من النبوة ورأى بنو عامر وهوازنُ وسُليْم ذلك،فدخلوا فيما خرجوا منه،وأعلنوا الإسلام،ونزلوا على حكم الله ورسولِه في وجوب إخراج الزكاة،كما يوجبون إقامَ الصلاة.
جاءت الأخبار إلى خالد بن الوليد سارَّةً ومحزنة معًا وهو في طريقه لمواجهة ردة بني أسد،فقد مثَّل قتلُ عكَّاشة،وثابتِ بنِ أقرمَ صدمةً كبيرة للمسلمين،إذْ كانت الفجيعة في سَيِّدَيْنِ من سادات المسلمين،وفارسيْن من فرسانهم،فاجتاح الحزنُ نفوسَ الجيش،غير أن القائد راح يبشر إخوانه بثبات طيِّئ بجناحيها الغوثِ وجَدِيلة على الإسلام،فزحفوا نحوَ بزاخة وهبطوا على العدو،وطليحة ملتفٌّ في ثياب له بفِناء بيت من شَعْرٍ،قد أعد لنفسه فرسًا يستعمله عند الحاجة إلى الفِرار.
وقواته مستعدة للحرب والنِّزَال،وقوته الضاربة يقودها مالكُ بنُ نويرةَ في سبعمائة من بني فزارة،فدارت الحرب والمسلمون عازمون على الثأر للشهيديْنِ عُكَّاشةَ وثابتٍ،حتى اهتزّت صفوف المعاندين،واضطربت قواتهم،وعضتْهم الحربُ بأنيابها،فذهب عيينة إلى طليحة عدة مرات يسأله عما نزل عليه من الوحي فلم يجدْ شيئا،حتى أيقن بأن الحرب ستأكلهم،وأن طليحة كذاب،فنادى عيينة في بني فزارة أن ينسحبوا فنبيُّ بني أسدٍ كذابٌ،وما هي إلا سويعات حتى حلّت الهزيمة ببني أسد ومَنْ بقي معهم،فأتوا إلى طليحة يسألونه الحَلَّ،فوثب على فرسه،وحمل معه امرأته،وأمر من استطاع أن يفعل مثلَ ذلك،وينجوَ بنفسه وأهله أن يفعل... وعلى طريق الحوشية كان الجواد يسرع بطليحة وزوجته هاربا حتى لحق بالشام،وانْفَضَّ جمعُه.
إنه"خيرُ مولودٍ وُلد في أرض طيِّئ،وأعظمُه عليهم بركةً"عدي بنُ حاتمٍ الطائي الذي أنقذ قومه من ناري الدنيا والآخرة،رجل مبارك أحب النبيَّ وأحبه النبيُّ،ودخل نورُ الإسلام أعماق نفسه وقلبه وتشرَّب منه وجدانُه،وأقسم أن يجاهد أسرتَه القريبة لو ترَكَتْ هذا الدينَ...!
هاهو الآن يرى قومَه يتذكرون الحلفَ مع بني أسد في الجاهلية،ويريدون إحياءه في الإسلام،فجاء إليهم ليُدْرِكَهم قبل أن تأكلهم الحرب فيخسروا الدنيا بالهزيمة أمام جيش خالد بن الوليد،ويخسروا الآخرة بترك الدين الحق.... أتى عدي قومَه يدعوهم إلى مبايعة خالد بن الوليد والانضمام إلى قواته،لكنهم رفضوا ذلك،فقام فيهم عدي يهدِّدُهم ـ وهو سيدُهم الذي يثقون تماما في حبه لهم،وبحثه عما ينفعهم ـ وسُرعان ما استجابوا له حين رأوا صوتَه قد ارتفع فيهم حزينا يُنْذِرُهم الخسرانَ والبوارَ،وكأنه ينذر قدميْه ويديْه وعينيْه.
وفي السُّنْحِ يستقبل عدي خالدَ بنَ الوليدِ وجيشَه بالبشرى،غير أنه يطلب مهلة ثلاثة أيام ليستخرج قومُه إخوانَهم الذين انضموا إلى قوات طليحة ببزَاخَةَ،وتمر الأيام الثلاثة ويأتى عدي في موعده بإسلام