اختار المصنف رحمه الله تعالى العطف بـ لكنْ ، وفاقا لما قرره جمع من النحاة كسيبويه والأخفش وأبي علي الفارسي وابن كيسان وابن عصفور ، وذهب يونس بن حبيب إلى أنها ليست عاطفة ، بل هي حرف استدراك ، والواو قبلها عاطفة لما بعدها عطف مفرد على مفرد ، ووافقه ابن مالك في التسهيل على أنها غير عاطفة ، وخالفه في أن الواو قبلها عاطفة جملة على جملة ، واستدل من منع العطف بها بلزوم اقترانها بالواو قبل المفرد ، وهذا نحو ما تمسك به من منع العطف بـ إما ، وجرى عليه ابن مالك وتبعه بعضهم ، قال المرادي: « قال ابن مالك: وما يوجد في كتب النحويين من نحو (( ما قام سعد لكن سعيد ) )فمن كلامهم لا من كلام العرب . ولذلك لم يُمَثِّل سيبويه في أمثلة العطف إلا بـ (( ولكنْ ) )، وهذا من شواهد أمانته وكمال عدالته ، لأنه يجيز العطف بها غيرَ مسبوقة بواو ، وترك التمثيل به لئلا يُعتقد أنه مما استعملته العرب . قلتُ ـ أي المرادي ـ: وفي قوله: إن سيبويه يجيز العطف بها غيرَ مسبوقة بواو نظر ، قال ابن عصفور رحمه الله تعالى: وينبغي أن يحمل كلام سيبويه والأخفش ـ من أنها عاطفة مع تمثيلهم للعطف بها مع الواو ـ على أنها ـ أي الواو ـ زائدة » اهـ والله تعالى أعلم .
ومجموع مذاهب أهل العلم في العطف بـ لكنْ أربعة مذاهب ، هذا بيانها على وجه الاختصار من غير إخلال إن شاء الله تعالى:
المذهب الأول: أنها عاطفة إذا لم تدخل عليها الواو ، وهو مذهب أبي علي الفارسي ، قال ابن هشام وأكثرِ النحويين ، وعبر المرادي عن قضية قول ابن هشام بـ قيل والله تعالى أعلم .
المذهب الثاني: أنها عاطفة ، ولا تستعمل إلا بالواو ، فهي زائدة لازمة ، وصححه ابن عصفور ، وقال: وعليه ينبغي أن يحمل كلام سيبويه والأخفش .
المذهب الثالث: أنها عاطفة ، وتستعمل بالواو وبدونها ، فهي زائدة غيرُ لازمة ، وهو مذهب ابن كيسان رحمه الله تعالى .