وما ذكره ابن يعيش سبقه إليه الأنباري أبو البركات رحمه الله تعالى في أسراره حيث قال: « فإن قيل هل الإعراب والبناء عبارة عن هذه الحركات أو عن غيرها ، قيل الإعراب والبناء ليسا عبارة عن هذه الحركات وإنما هما معنيان يُعرفان بالقلب ليس للفظ فيهما حظ ، ألا ترى أنك تقول في حد الإعراب هو اختلاف أواخر الكلم باختلاف العوامل ، وفي حد البناء لزوم أواخر الكلم حركة أو سكونا ، ولا خلاف أن الاختلاف واللزوم ليسا بلفظين وإنما هما معنيان يعرفان بالقلب ليس للفظ فيهما حظ ، والذي يدل على ذلك أن هذه الحركات إذا وجدت بغير صفة الاختلاف لم تكن للإعراب وإذا وجدت بغير صفة اللزوم لم تكن للبناء فدل على أن الإعراب هو الاختلاف والبناء هو اللزوم ، والذي يدل على صحة هذا إضافة هذه الحركات إلى الإعراب والبناء ، فيقال حركات الإعراب وحركات البناء ، ولو كانت الحركات أنفسُها هي الإعراب أو البناء لما جاز أن يضاف إليه لأن إضافة الشيء إلى نفسه لا تجوز ، ألا ترى أنك لو قلت حركات الحركات لم يجز ، فلما جاز أن يقال حركات الإعراب وحركات البناء دل على أنهما غيرُها فاعرفه تصب إن شاء الله تعالى » [1] .
والمختار ـ عند العبد الضعيف غفر الله له زلات هذه الكلمة ـ ما ذهب إليه أهل التحقيق من أنه معنوي ، وفي منعهما إضافة الشيء إلى نفسه بحث ونظر ، قال أبو الفضل بن منظور رحمه الله تعالى في اللسان: والمسجد الجامع: الذي يَجمع أَهله ، نعت له لأَنه علامة للاجتماع ، وقد يضاف ، وأَنكره بعضهم ، وإِن شئت قلتَ: مسجد الجامع بالإضافة ، كقولك الحقُّ اليقين ، وحقُّ اليقين ، بمعنى مسجد اليوم الجامع ، وحقِّ الشيء اليقينِ ، لأَن إضافة الشيء إلى نفسه لا تجوز إِلا على هذا التقدير ، قال: وكان الفراء يقول: العرب تضيف الشيء إلى نفسه لاختلاف اللفظين ، كما قال الشاعر:
(1) 200) ( أسرار العربية للأنباري ص42ـ43 )