فلما جاء الاستعمار إلى هذه البلدان ، وضع أنظمته ، ودساتيره ، ووجه الحياة الاجتماعية إلى الوجهة الغربية في الانحلال والتفسخ ، في الوقت الذي لم يكن في المسلمين من الوعي بدينهم ، والعلم به ، ما يتدرعون به أمام هذه الهجمة الخبيثة الماكرة ، بل إن كثيرًا من أبناء المسلمين الذين تفتحت أعينهم على بريق المادية الغربية من جهة ، وعلى الأمية والجهل والفقر في بلادهم من جهة أخرى ، انحازوا إلى صفوف الهجوم الغربي ، وتبنوا مبادئه وأفكاره ، وتاهوا فخرًا بما أحرزوه من تشبث بأذيال المستعمرين ، وما أحرزوه من فتات موائد أفكارهم ، وزبالات عاداتهم وتقاليدهم . هكذا أصبح حال الأمة ، وحال أبنائها .
عند ذلك هبّ رجال غيورون ، حميت في رؤوسهم الغيرة على دين الله ، وعظمت في نفوسهم أقاويل وأفاعيل أعداء الله ، وأدركوا الخطر الغربي الذي يهدد الأمة الإسلامية بطمس المستعمرين المعتدين لمعالم دينها وحضارتها ، فقاموا في الناس ينادون ويدعون إلى دين الله ، وينذرون ويحذرون من أخطار المستعمرين ، ومن شايعهم واقتفى أثرهم من المسلمين المغرورين ، ولما كان الخطر داهمًا ، والهجمة متواصلة ، أخذ هؤلاء الدعاة والزعماء يحرضون العامة ، ويدعونهم إلى أن يقوموا مقام العلماء المنشغلين بمسائل العلم ، وبتلقين ثلة قليلة بين أيديهم من المتعلمين ، عن مواجهة الأخطار الداهمة ، والهجمة الاستعمارية الماكرة .
وفي هذا الوقت نفسه كانت الدعوة السلفية الصافية القوية التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في جزيرة العرب ، قد حوصرت في هذه الجزيرة بشائعات وتهم وأباطيل ضدها ، من قبل الصوفية المتفشية في العالم الإسلامي ، المدعومة بالدولة العثمانية نفسها ، مما جعل أثرها لايمتد إلى سائر البلدان الإسلامية ، إلاّ قليلًا ، وبصورة غير واضحة ولاشاملة .