الصفحة 113 من 570

ومن ذلك ما رواه ابن إسحاق عن محمود بن لبيد ، قال: (( لما قدم أبوالحيسر ، أنس بن رافع مكة ، ومعه فتية من بني عبد الأشهل ، فيهم إياس بن معاذ ، يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج ، سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم فجلس إليهم ، فقال لهم: (( هل لكم ف‍ي خير مما جئتم له؟ ) )، فقالوا له: وما ذاك؟ ، قال: (( أنا رسول الله بعثني إلى العباد ، أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولايشركوا به شيئًا ، وأن‍زل عليّ الكتاب ) )، قال: ثم ذكر لهم الإسلام ، وتلا عليهم القرآن ، قال: فقال إياس بن معاذ وكان غلامًا حدثًا: أي قوم ، هذا خير مما جئتم له ، قال: فيأخذ أبوالحيسر أنس بن رافع حفنة من تراب البطحاء ، فضرب ب‍ها وجه إياس بن معاذ ، وقال: دعنا منك: فلعمري لقد جئنا لغير هذا ، قال: فصمت إياس ، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم )) [1] .

قال ابن إسحاق: (( فلما أراد الله عزوجل إظهار دينه ، وإعزاز نبيه صلى الله عليه وسلم وإنجاز ما وعده له ، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ف‍ي الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار .... قالوا: لما لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال لهم: (( من أنتم؟ ) )، قالوا: نفر من الخرزج ، قال: (( أمن موالي يهود ) )؟ ، قالوا: نعم ، قال: (( أفلا تجلسون أكلمكم؟ ) )، قالوا: بلى ، فجلسوا معه ، فدعاهم إلى الله عزوجل ، وعرض عليهم الإسلام ، وتلا عليهم القرآن )) [2] .

فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعرض على الناس ، ماجاء به من عند الله ، وهو يعلم أن ذلك يصدم معتقداتهم ، وينسف عاداتهم ، ويخالف ما كان عليه آباؤهم ، ولكنه البلاغ المبين ، والعرض الصادق ، لما أمره به ربه جل وعلا من دعوة إلى الحق ، وإعراض عن الباطل ، قال تعالى: {قُمْ فَأَنذِرْ} .

(1) ابن هشام 1/427 .

(2) المصدر السابق 1/427 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت