فهرس الكتاب
وقال تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} . هذا مع ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم في عرضه لدعوته من رفق ولين جانب ، وصبر على ما يلاقيه من جفوة قومه ، وسوء ردهم عليه .
وفي هذا الأمر ـ أي: عرض الدعوة إلى الله على الناس ـ تفرقت سبل الدعاة إلى الله ـ اليوم ـ واجتهاداتهم ، وتحاجوا ، واختصموا ، فبعض يعرض دعوته على الناس ، في غير رفق ، ولاصبر ، إذ إن ما يراه من بعد كثير من المسلمين عن دينهم ، فضلًا عما يراه من أحوال الكفر وعناد أهله ، يثير في نفسه الغيرة على الدين ، والحماس له ، والضجر والتبرم من حال المخالفين ، فيعرض دعوته ، في أسلوب من النهر والزجر ، واحتقار المخالف واستصغاره ، مما يكون سببًا في استفزاز كثير ممن تعرض عليهم الدعوة ، فيقابلونها بالمعاندة ، والتحدي لصاحبها ، مع أنه ربما كان فيهم من هو قريب المأخذ ، سهل القياد ، ليّن الجانب ، لو أن الداعية ترفق به ، وألان له الجانب ، وعرض عليه دعوته في رفق ، وسعة صدر ، مع الصبر على الأذى ، وتحمل ما قد يتعرض له من غلظة المعاند وجفوته ، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لقومه: (( فإن تقبلوا مني ما جئتكم به ، فهو حظكم من الدنيا والآخرة ، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر الله ، حتى يحكم الله بيني وبينكم ) )، أو كما قال صلى الله عليه وسلم [1] أهـ .
وصنيع هذا الصنف من الدعاة ، لاشك أنه على غير هدي رسولنا صلى الله عليه وسلم ، وخلقه ، الذي وصفه الله تعالى بقوله:
{ وَإِنّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:4] .
وقال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران:159] ، بل إنه مخالف لأمره عليه الصلاة والسلام حين قال: (( يسّروا ولاتعسّروا وبشّروا ولاتنفّروا ) ).
(1) ابن هشام 1/296 .