الصفحة 12 من 570

لقد كانت هذه الجماعات الدعوية الإسلامية أشبه ماتكون بفرق الطوارئ ، ونجدات الإغاثة ، لأمة يكاد يطفأ فيها نور الله بأفواه أعدائه ، وتكاد تطمس فيها معالم الدين ، وتندثر فيها صروح أمجاده ، بما أجلبوا عليها من خيلٍ ورجلٍ ، وعدة وعتاد . وهي ولاشك كأي نجدة طارئة ، وهبّة سريعة ، لابد أن يكون ف‍ي جهودها الغث والسمين ، والخطأ والصواب ، ولابد أن تتأثر بالظروف العاجلة التي أحاطتها ، والبيئات الثقافية والاجتماعية التي تكونت فيها ، خصوصًا أن الانطلاقة لهذه الجماعات لم تكن من مجالس العلم ، وبقيادة العلماء ـ وهذا القصور يسأل عنه العلماء ف‍ي ذلك الوقت ـ بل كانت الانطلاقة من جماهير الناس ، وعوامهم ، على أيدي رجالٍ كانوا غيورين على دينهم ، قد عُرفوا بمتانة التدين ، وصدق العزائم ، وسلامة النوايا ، مع حظ ف‍ي العلم بمقاصد الدين ، وحدود الشريعة ، واطلاع على بعض العلوم والمعارف القديمة والمعاصرة ، بيد أنهم لم يكونوا من العلماء الراسخين ، ذوي التخصص والتفنن ف‍ي العلوم الشرعية ، المتعمقين ف‍ي مسائل هذه العلوم ودقائقها . فكان ف‍ي هذه الزعامات المخلصة افتقار إلى العلم الشرعي المتخصص ، مما فوّت عليها كثيرًا من التأصيل الصحيح لمناهجها ، وعمّى عليها كثيرًا من معالم الطريق ف‍ي دعوتها ، فاتخذت الاجتهادات والآراء الشخصية التي تمليها التجارب والظروف المحيطة ب‍ها ، أصولًا لدعوتها ، ومعالم لمناهجها ، ف‍ي غياب النصوص الشرعية ، والأدلة النقلية ، التي يعلمها ، ويتقن الاستدلال ب‍ها علماء الشريعة المتخصصون .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت