إن هذا النقص البيّن في المناهج الدعوية لهذه الجماعات ، ما كان ليؤخذ عليها في أول أمرها ، حينما قام زعماؤها ومؤسسوها باجتهادهم ، يوقظون النيام ، ويشعلون فتيل الهمم ، ويجمعون حولهم فئام الناس الذين شرح الله صدورهم لهذه الدعوات ، وتحركت في نفوسهم الغيرة لدين الله ، واتقدت عزائمهم بدواعي البذل والتضحيات . وذلك لأن القيادات العلمية لم تكن حاضرة بارزة وقت ذاك ، ولأن الواجب الشرعي يحتم على هؤلاء الغيورين أن يسدوا هذه الثغرة التي يتسلل منها الغزو الاستعماري إلى أبناء الأمة ، ويقوموا بواجب النصيحة والدعوة ، واستنهاض الهمم لمواجهة المستعمرين ، والعودة الصحيحة إلى دين رب العالمين .
أما وقد انقشع القتام عن الأمة الإسلامية ، وتحركت جهود العلماء الراسخين في العلم الشرعي ، المتخذين الكتاب والسنة منهجًا ، المقتفين لأثر الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه ، والسلف الصالح من علماء الأمة ، في قرونها المفضلة . وأصبح هؤلاء العلماء موضع ثقة الأمة ، ومرجع فتواها ، فحريّ بزعامات هذه الجماعات الدعوية الإسلامية وقياداتها ، أن يتخذوا من هؤلاء العلماء السلفيين ، أهل الحديث والأثر ، مرجعًا لفتواهم ، وشوراهم ، وأن يعرضوا عليهم أصولهم ومناهجهم ، ويستنصحوهم في مسيرة دعوتهم ، لكي يستقيم بهم الطريق على هدي الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وسلف هذه الأمة الصالح ، لما ورد من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( وفَضل العَالم على العابد كَفضل القمر على سائرِ الكَواكب ، وإنّ العلماء ورثَة الأنبياء ، وإنّ الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولادرهمًا وإنّما ورَّثوا العلم ، فمن أخَذه أخذ بحظٍ وافِر ) ) [رواه أبوداود والترمذي وابن ماجة وابن حبان وصححه] .