الصفحة 190 من 570

وما حصل لهم هذا إلاّ لأنهم فهموا الحكمة على أنها كل ما يوصل إلى السلامة من الأذى ، وإلى رضى الناس ، وعدم نفورهم ، ومصادمتهم للدعاة ، فأخذوا يبلغون الناس ، ويتجنبون ما ينفرون منه ، ويغضبهم ، بسبب مصادمته لأهوائهم وشهواتهم . فكتم هؤلاء الدعاة كثيرًا من العلم والحق ، حرصًا على أن يقبل الناس ببعضه ، وخشية من أن ينفروا منه كله . وعدّوا ذلك إنجازًا عظيمًا ، وحكمة بالغة . وما هكذا علمنا القرآن ، وما هكذا كان أنبياء الله ورسله . قال الله تعالى: {وَقُلِ الْحَقّ مِن رّبّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف:29] .

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَآ أُن‍زلَ إِلَيْكَ مِن رّبّكَ وَإِن لّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة:67] . ولكنها الاجتهادات البشرية ، والآراء العقلانية ، بعيدًا عن النصوص الشرعية ، من كتاب الله ، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسيرته ، هدانا الله وإخواننا المسلمين إلى سواء السبيل .

أما مايترتب على البلاغ المبين ، مما عاناه أنبياء الله ورسله ، عند إبلاغ أقوامهم ، وأشدهم ف‍ي ذلك بلاءً رسولنا صلى الله عليه وسلم ، لعلو قدره ، ورفعة من‍زلته ، وكمال دعوته ، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لقد أوذيت ف‍ي الله ومايؤذى أحد ، وأخفت ف‍ي الله وما يخاف أحد ، ولقد أتت علىّ ثلاثون من بين يوم وليلة ، ومالي ولبلال ما يأكله ذو كبد ، إلاّ ما يواري إبط بلال ) ) [أخرجه أحمد والترمذي وابن حبان ف‍ي صحيحه ، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح] .

فيترتب على البلاغ المبين بالنسبة للداعية المبلّغ أمور ، من أهمها ما يلي:

1-الحرج:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت