الصفحة 197 من 570

ولما خرج الرسول صلى الله عليه وسلم عام الحديبية يريد زيارة البيت ، لايريد قتالًا ، سمع بأن قريشًا يعاهدون الله لايدخلها أبدًا ، قال الزهري: (( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ياويح قريش! لقد أكلتهم الحرب ، ماذا عليهم لو خلّوا بيني وبين سائر العرب ، فإن هم أصابوني كان الذي أرادوا ، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا ف‍ي الإسلام وافرين ، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة . فما تظن قريش ، فو الله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به ، حتى يظهره الله ، أو تنفرد هذه السالفة ) ) [1] . وف‍ي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا ، من الحزن على قومه ، والإشفاق عليهم ، ما لايخفى ، ولكنه حزن وإشفاق مع حزم وعزم على إظهار دين الله ، والجهاد ف‍ي سبيله ، مهما كانت العوائق ، أو عظمت التضحيات .

4-خطر الوقوع ف‍ي العجب والزهو:

إن الوقوع ف‍ي العجب ، والزهو بالنفس أو العمل ، من أخطر ما يتعرض له الداعية إلى الله المبلغ لدينه . وهذا إنما يكون عند استجابة الناس له ، واتخاذهم إياه إمامًا وقدوة . ومع كثرة سماعه لألفاظ الثناء والمدح ، ورؤيته لنظرات الإعجاب والإكبار من أتباعه ، وتلاميذه ، والمعجبين به ، فيقع ف‍ي نفسه ما يقع من عجب ، ورياء ، ونحوه ـ إن لم يعصمه الله من ذلك ـ ، مما يعكر عليه صفو إخلاصه ، ويفسد عليه صدق توجهه ، ويفوّت عليه ثمرات جهاده ودعوته .

قال الله تعالى: {لاَ تَحْسَبَنّ الّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وّيُحِبّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنّهُمْ بِمَفَازَةٍ مّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران:188] .

وقال تعالى: {يَمُنّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاّ تَمُنّواْ عَلَيّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ الله يَمُنّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ إِنُ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الحجرات:17] .

(1) ابن هشام ـ السيرة النبوية ـ 1/309 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت