رابعًا: ومن أسباب التنازع والفشل بين الدعاة ـ اليوم ـ الرؤية القاصرة والفهم المبتور ، لمقاصد الدين ، ومرامي الدعوة والجهاد:
ولقد سمعت تمثيلًا لهذه الرؤية والفهم القاصرين من أحد الدعاة يومًا ، إذ قال: إن حال جماعات الدعوة الإسلامية اليوم في قصور فهمها ورؤيتها للدين ، كحال جماعة من العميان ، ساروا في طريق لهم ، قاصدين زيارة عميان آخرين في مكان آخر ، فلما توسطوا الطريق ، سقطوا جميعًا على شيء ضخم علموا فيما بعد أنه جثة فيل ضخم وقع في وسط الطريق ، فوقع أحدهم على خرطومه ، ووقع الآخر على رجله ، ووقع الثالث على أذنه ، ووقع الرابع على وسطه ، ثم ساروا إلى إخوانهم الذين قصدوهم بالزيارة وكانوا عميانًا مثلهم ، فذكروا لهم أنهم سقطوا في طريقهم على جثة فيل ضخم ، فسألوهم: وكيف هي صورة الفيل؟ فأجاب الذي سقط على خرطومه: الفيل مخلوق يشبه الثعبان الضخم في طوله وملمسه ، فاعترض الآخر الذي سقط على أذنه ، وقال: بل الفيل يشبه ورقة توت كبيرة ، فأنكر عليه الثالث الذي سقط على رجل الفيل ، وقال: بل الفيل يشبه جذع الشجرة ، فرد عليهم الرابع الذي سقط على وسطه ، فقال: بل الفيل يشبه الصخرة الكبيرة في حجمه وشكله . فكل منهم تصور الفيل بالجزء الذي وقع عليه منه ، ولم يدرك أن هذه كلها أجزاء من هذا المخلوق الضخم ، وأن صورته تختلف عن كل ما قالوه ووصفوه .
هكذا صوّر هذا الداعية حال الجماعات الإسلامية اليوم ، فكل منها أخذ من الدين جزءًا ، ثم اعتقد أن هذا الجزء هو الدين كاملًا ، ثم خالف كل من وصف الدين بغير ما تصوره ، وتحزب عليه .
إن النظرة الجزئية القاصرة للدين كانت سببًا لكثير من الخلاف بين الدعاة اليوم ، وتراهم أحيانًا يتحاورون ويتجادلون ، وكأنك تسمع حديث الصم بعضهم لبعض ، فهذا يتكلم في واد ، فيجيبه الآخر عن وادٍ آخر ، ثم يفترقون ولم يسمع أحدهم إلاّ ما قاله هو ، وهكذا دواليك .