الصفحة 99 من 570

وكانت خطبته صلى الله عليه وسلم ف‍ي حجة الوداع جامعة مانعة ، أوضح فيها حرمة البيت الحرام ، والشهر الحرام ، وحرمة دماء المسلمين وأموالهم ، وحرم فيها الربا ، وبين الحقوق والواجبات بين الرجال والنساء ، إلى أن قال: (( وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا ، كتاب الله وسنة نبيه . أيها الناس ، اسمعوا قولي واعقلوه ، تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم ، وأن المسلمين إخوة ، فلا يحل لامرئ من أخيه إلاّ ما أعطاه عن طيب نفس منه ، فلا تظلمن أنفسكم ، اللهم هل بلغت؟ ) )قال ابن إسحاق: فذكر لي أن الناس قالوا: اللهم نعم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم اشهد ) ) [1] .

وهكذا فإن الخطابة كانت لسان الدعوة ، وترجمانها ، ولقد حلت ف‍ي الإسلام بمن‍زلة كان الشعر يحتلها ف‍ي الجاهلية ، حين كان التفاخر ، والتهاجي ، والنعرات ، والعصبيات الجاهلية ، فما كان يفصح عن تلك العواطف الهوجاء مثل الشعر ، وما غدا يفصح بعد ذلك عن حكمة الإسلام ، وهدايته ، وتشريعه ، مثل الخطابة .

ثم إن الخلفاء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقومون ف‍ي الناس بالخطابة . كما أن قواد الجيوش ، وأمراء الفتوح ، كانوا يقومون ف‍ي جندهم ، بالخطب البليغة ، فيثبّت الله ب‍ها قلوب الفاتحين ، فتكون سببًا من أسباب النصر والفتح بإذن الله . ولو أردنا استقصاء ذلك لطال بنا الكلام عنه ، ولما بلغنا من ذلك شيئًا يكافئه ، لأن تاريخ الإسلام ، وأحداثه العظام ، لاتخلوا فيها حادثة ، إلاّ وللخطابة فيها مكان التوجيه والبيان ، فب‍ها علا صوت الحق ، وارتفع لواء النصر ، وأشرقت شمس الهداية ، على مختلف الأقوام ، منذ ظهور الإسلام ، إلى يوم الناس هذا ، وعلى الله التمام .

ب- المواعظ والدروس:

(1) المصدر السابق 4/604 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت