فهرس الكتاب
وأنه لا يجوز لمن استبانت له سنة رسول الله -صلىَّ الله عليه وسلم- أن يدعها لقول أحد من الناس وهذا إجماع، ويقتضي أن يكون العباد غير متعبدين بقول أحد من البشر إلا بقوله -صلىَّ الله عليه وسلم- ولذلك فهم لا يسألون عن أحد من البشر في قبورهم إلا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هل أجابوه أم كذبوه، ولكن ينبغي مع ذلك تقدير العلماء ومعرفة قدرهم، وأن نحمل أقوال علمائنا وآراءهم على المحمل الحسن، وألا نسيء الظن بهم، وإن خالفناهم ولم نأخذ بقولهم، فلا يعني عدم الأخذ بقول عالم -لأن الدليل يخالف قوله- أن نستبيح عرضه ونأكل لحمه، فينبغي أن نبقي حرمة العلماء مصونة من الطعن، وعلينا أن نلتزم منهج السلف الصالح في بيان الحق مع التماس العذر للمخالفين، وهذا يقتضي احتمال الاختلاف السائغ المعتبر الذي لا يتعارض مع نص من الكتاب والسنة أو إجماع قديم أو قياس جلي، وعدم احتمال الخلاف غير السائغ الذي يصطدم مع النصوص أو الإجماع أو القياس الجلي، وهذا يقتضي أيضًا محاربة هذا النوع من الخلاف، والرد على الأقوال الفاسدة والباطلة ونشر السنة ومحاربة البدع والضلالات.
ونحن إذا كنا نقدر علماء الأمة، ونعرف منزلتهم، ونشكر لهم جهودهم، ونثني عليهم بما هم أهل له، إلا أننا لا نقدس الأشخاص، ولا نتغاضى عن الأخطاء ولا نسكت عن الحق، ونستحضر في هذا المقام قول مالك بن أنس -رَحمه الله-: كل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر، وقول ابن القيم: وكان أحمد إذا وجد نصًا أفتى بموجبه ولا يلتفت إلى ما خالفه من قولٍ كائنًا من كان قائله، وقول الإمام الشافعي: إذا صح الحديث فهو مذهبي، والمجتهد مأجور على كل حال إما بأجر أو بأجرين، قال -صلىَّ الله عليه وسلم-: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) . فهذا الحديث يدل على أن المجتهد مأجور على كل حال، لكنه ليس مصيبًا في كل الأحوال.
من السمات التي اكتسبتها الدعوة بكونها ربانية: