لا شك أن بلفور وفرنسا وعدد من دول أوروبا ثم أمريكا ساهموا جميعًا في حدوث النكبة أو استمرارها أو تعقيدها ، وأنّ الحركة الصهيونية بسعيها لإنشاء الدولة اليهودية في فلسطين وجَلْبِها اليهود من أوروبا وغيرها ليحكموا الأكثرية من العرب الذين كانوا فلسطينيين قبل أن يُسْلِمَ أكثرهم ، ويصيروا عَرَبًا ، بل قبل أن يستوطنها العبرانيون ويُطْرَدُوا منها ( كما يقول ليوبولذفايس اليهودي النّمساوي قَبْل أن يُسْلِم ببضع سنين ) ؛ لا شكّ أنها عالجت الظُّلم الألماني لليهود بِظُلم العَرَب وثأرث لنفسها من غير المعتدي عليها . ولكنّ الله الذي يدبّر الأمر كلّه ويصرّفه بعلمه وحكمته وعدله قال وقوله الحق: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس: 44] ، وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [الأنعام: 129] :
ـ سبقت فلسطين البلاد العربية إلى الثروة والتّرف ثم إلى الاسراف والفساد ، ولذلك نُكِبتَ العرب فيها قبل غيرها ، وكما أن الله تعالى {لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [المائدة: 64] فهو تعالى {لاَيُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 141] والإسراف مثل الشرك في أنّه لا تدعو إليه الغريزة ( مثلما تدعو إلى النكاح وطلب المال ) ، وربما أشار ذلك إلى الحكمة في قول الله تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48] .