الصفحة 71 من 966

وتفصيلًا، لا في العموم ولا في المعيَّن؛ لأن كفرهم معلوم من الدين بالضرورة».

قلت: قد ينشأ المرء بين أناس، ولا يعلم من عقيدة أهل السنة شيئًا، بل يسمع عن أهل السنة كل قبيح، فينفر منهم، إما لجهل، أو لتأويل؛ فمثل هذا يُعْذَرُ في تكفيره- وإن كان قد أتى أمرًا عظيمًا - ما دام متأوِّلًا، أو ينتمي إلى دين الإسلام، أو نحو ذلك.

وهذا الذهبي - رحمه الله- يقول في «النبلاء» (3/ 128) في ترجمة معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- وهو يتكلم عن حال أهل البدع، شاكرًا ربه على العافية، فقال: «فبالله كيف يكون حال من نشأ في إقليم، لا يكاد يشاهد فيه إلا غاليًا في الحب، مُفْرِطًا في البغض، ومن أين يقع له الإنصاف والاعتدال؟! فنحمد الله -على العافية- الذي أوجدنا في زمان قد انمحص فيه الحق، واتضح من الطرفين، وعرفنا مآخذ كل واحد من الطائفتين، وتبصرنا، فَعَذَرْنا، واستغفرْنا، وأحببْنا باقتصاد، وترحَّمنا على البغاة بتأويل سائغ في الجملة، أو بخطأ -إن شاء الله- مغفور، وقلنا كما علَّمنا الله: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا} [الحشر: 10] ، وترضَّينا أيضًا عمن اعتزل الفريقين ... وتَبَرَّأنَا من الخوارج المارقين الذين حاربوا عليًّا، وكفَّروا الفريقين؛ فالخوارج كلاب النار، وقد مرقوا من الدين؛ ومع هذا: فلا نقطع لهم بخلود النار، كما نقطع به لعبدة الأصنام والصلبان» .اهـ. وموضع الشاهد ما جاء في أول كلامه، لكني استطردت في نقل كلامه بطوله لفائدته، والله أعلم.

3 -مما يزيد الأمر وضوحًا: أن شيخ الإسلام نفسه قد صرح في غير موضع من كتبه بأن تكفير المعيَّن، الذي أتى الكفر الأكبر، يحتاج إلى استيفاء الشروط، وانتفاء الموانع، بل صرَّح بذلك في الروافض الذين هم موضع النزاع هنا وزيادة، وهذه بعض أقواله -رحمه الله- في هذه الطائفة:

(أ) في «مجموع الفتاوى» (28/ 468 - 501) وصَفَ شيخ الإسلام أعمال الروافض: من تكفير الصحابة إلا طائفة قليلة، وأنهم كفَّروا أبا بكر وعمر وعثمان، وعامة المهاجرين والأنصار -وهذا تكفير صريح لمعظم الصحابة، فضلًا عن تفسيقهم- وكفَّروا الذين اتبعوهم بإحسان، - رضي الله عنهم -، ورضوا عنه، وكفَّروا جماهير أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، من المتقدمين والمتأخرين؛ فهم يكفِّرون كل من اعتقد في أبي بكر وعمر والمهاجرين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت