فهرس الكتاب
لقد كان للصياغة الشكلية في الشعر أثر بارز في إغفال دور الخيال والصورة. وقد كانت النزعة الخطابية سببًا رئيسًا لهذا الاهتمام بالصياغة، فالشاعر يقوم عند العرب مقام الخطيب، لهذا عليه أن يعنى بتجويد شعره ليحقّق التأثير المنشود في الجماعة. يقول مصطفى ناصف: كان الشاعر: يعنّي نفسه - غالبًا - ليكون خطيبًا مفصحًا، يتحدث إلى سامعين، ويحفل بمطالب المتعة الجماعية": (37) ."
غير أن سببًا آخر أدّى أيضًا إلى تحويل الاهتمام إلى الشكل والصياغة في إبداع الشعر، وهو ارتباطه بالفنون التصويرية النفعية، في أذهان النقاد والشعراء والناس.
4 -التحسين والتعجيب:
لقد كان لهاتين الوظيفتين اللتين اعتد بهما الشعر والنقد - وهما من وظائف الصناعة الشعرية - أثرهما في جمود الشعر العربي، إذ كان مقياس الجودة عند النقاد مايحقّقه الشعر من متعة ولذة. يقول أدونيس: إن الناقد العربي"لم يكن ينظر أو يهمه أن ينظر في ما أضافه الشعر أو يضيفه من عناصر الجديد، وفي أهمية هذه العناصر بالنسبة إلى الحياة العربية، الثقافية والروحية، وإنما كان يكتفي بأن يبحث فيه عن المتعة واللذة".. ( 38) .
لقد كانت غاية الشعر في النقد العربي جمالية تعليمية، الأمر الذي جعل الشعراء والنقاد يهتمون بالصياغة دون المضمون. هذا ما عبّر عنه قدامة بن جعفر بقوله:"وعلى الشاعر ،إذا شرع في أي معنى كان.... أن يتوخى البلوغ من التجويد في ذلك إلى الغاية المطلوبة". ويعلّق عز الدين إسماعيل على هذا الكلام بقوله:"ففي هذا يصوّر لنا قدامة عدم الاهتمام بقيمة المعنى أو استجادة الشعر لأن معناه حميد، ولكنه يهتم بالصورة. وليكن المعنى حميدًا أو ذميمًا، فهذا لايعني، فليس للشعر غاية أخلاقية أو تعليمية، وإنما هو ينظر فقط إلى جانب الجمال الذي يسميه تجويد الصورة" (39) .