فهرس الكتاب
يقول عز الدين إسماعيل في تعليقه على هذا البيت:"كان يعدّ قمّة في التشبيهات التامة، وإن كان لايدلّ على إحساس صادق بالهلال، ولايمكن أن يكون الزورق الفضي سوى نتيجة لعملية عقلية باحتة، فكل عنصر من عناصر هذا الشكل يتساوى مع مايوازيه من ذاك، ولكن! هل يثير الهلال في النفس نفس الشعور الذي يثيره الزورق الفضّي المحمّل بالعنبر؟ كل شخص له خبرة نفسية يستطيع أن يجيب بالسلب، ومن ثم يكون التشبيه فاشلًا، لأن مايثيره المشبه لايثيره المشبه به" (50) .
هذا مايدفع الناقد نفسه لأن يستخلص أن"الشاعر (القديم) كثيرًا ما كان يندفع وراء الصور الحسية، التي تبدو له غاية في الجمال، ويتغافل عمّا يمكن أن يكون بين الشعور الذي تثيره، والشعور أو المعنى الذي كان ينبغي عليها أن تنقله إلى القارئ من علاقة" ( 51) .
وشاهد ذلك عنده بيت قديم"أراد الشاعر فيه أن يصور فتاة باكية حزينة نادمة، فقال:"
فأمطرت لؤلؤًا من نرجس وسقت ... وردًا وعضّت على العناب بالبرد
فجعل اللؤلؤ موازيًا للدموع، والنرجس مقابلًا للعين، والورد للخدود، أمّا العنّاب، فلأطراف الأصابع، وأما البرد، فللأسنان. وأعتقد أن كل ذوّاقة يحسّ مايمكن أن تثيره هذه الصورة في النفس من ألوان المشاعر، لايمكن بحال من الأحوال أن يحسّ بإحساس تلك الفتاة المسكينة الحزينة الباكية النادمة" (52) ."
هذا هو موقف العربي من الصورة الشعرية، ينظر إليها بجمودها المكاني وكأنه أمام تمثال أصمّ لاصورة حيّة. لقد كان يقف عند حدود الشكل الظاهر، ولايغوص إلى أبعاد الصورة وعلاقتها بنفس قائلها (53) . وهذا أدى بالتالي إلى جمود الصورة"فلم يكن فيها أي خاصة عضوية أو حركية، بل كانت عناصر جامدة" (54) .