فهرس الكتاب
لقد كان الذوق العام أو مايسمى"طريقة العرب"هو معيار الحكم على جودة الشعر وتقدّم الشاعر. فالآمدي في موازنته يهاجم أبا تمام لأنه خالف في صوره الذوق العام. يقول معلّقًا على قول الشاعر:"بيوم كطول الدهر في عرض مثله...":"هذه الألفاظ صيغتها صيغة الحقائق، وهي بعيدة عن المجاز، لأن المجاز في هذا له صورة معروفة، وألفاظ مألوفة معتادة، لايتجاوز في النطق بها إلى ما سواها، وهي قول الناس..." (70) . فالمجاز له طريق خاصة، لايمكن للشاعر تجاوزها ولكن متى كانت للمجاز قاعدة وطرق؟ إنهم بذلك ينفون ذاتية الفنان، ويسيرون بالشعر قدمًا نحو الجمود.
ويذهب الآمدي إلى أبعد من ذلك، فيرى"أن الشعر لايتأثر كثيرًا إذا أخطأ الشاعر، فجعل ذيل فرسه طويلًا، أو استعمل السوط في حثه على الجري، أو خيّل إليه أن الفستق من البقول، أو ظنّ أن صاحب الفيل لابدّ أن يكون قويًا كالفيل، فمن السهل أن تحاكم المبالغة لديه إلى مقياسك الفني... كل هذه أخطاء جزئية، ولكن الشعر يصاب في الصميم إذا قلنا للشاعر: إنك لاتستطيع أن تقول:"وضربت الشتاء في أخدعيه"، لأن العرب لاتستعمل مثل هذه الاستعارة" (71) .
ويعلّق أخيرًا إحسان عباس على هذه القضية (الذوق العام) بقوله: " إن هذا القانون متعسّف، لأنه يفترض اللجوء إلى قاعدة لايمكن تحديدها. فمن هو الذي يستطيع أن يزعم لنفسه وللناس أنه قد أحاط بما يسمّى"طريقة العرب"في الاستعمالات اللغوية والتصويرية. ولماذا يعمد الآمدي نفسه كلما رأى أثرًا قديمًا مشبهًا لطريقة أبي تمام، إلى الاعتذار عنه وعدّه من النادر أوالشاذّ؟ أليس هذا النادر صادرًا عن عربي، تقبّله ذوقه وأقرّه خياله - وهو خيال عربي -، ولم نسمع أنه طواه استهجانًا أو قابله الناس حينئذ بالاستغراب " (72) .