فهرس الكتاب
حقًا! إن عمود الذوق - كما فهمه العرب - متعسّف لأن فيه تقييدًا لحرية الفنان وفرديته. ولكن هذا لايعني أن ثمّة تناقضًا بين حرية الفنان والذوق العام... فإنْ يعبّر الفنان عن ذاته، لا يلغي التزامه بالذوق العام، كما إن هذا الالتزام لايلغي فرديته وخصوصيته كفنان. فالعمل الأدبي لقاء بين الخصوصية الذاتية والعمومية الذوقية... فإن التزم الشاعر العمومية فقط بقي شعره في إطار التقليد، وبقي الأصل هو الأفضل، مهما كان إبداعه عظيمًا. وإن التزم الخصوصية فقط خرج إلى التعقيد والغموض أحيانًا. ونترك كلمة الفصل في هذا الموضوع للدكتور محمد غنيمي هلال، إذ يقول:"لايصح رجوع الشاعر أوالكاتب إلى صنوف الخيال التقليدي إلاّ إذا كان له أساس من مشاعره الخاصة وتجاربه، إذْ لاينبغي أن يصور شعوره بما لاعلم له به ولاشعور، لأن ذلك ينال من صدقه وأصالته الفنية" (73) .
8 -النموذجية السلفية:
لمّا دعا النقادُ الأدباء إلى التزام الذوق العام، كان لابدّلهم أن يحدّدوا أيضًا وسيلة تحقّق هذه العمومية... إنها في الصياغة النموذجية السلفية.
أما النموذجية، فتعني"أن الكمال الشعري من وجهة نظر العقلية السائدة، كائن سابقًا في التراث الشعري العربي (وعلى الأخص الجاهلي ) . وعلى الشعراء في المستقبل أن ينسجوا على منواله، فليس لمتأخر الشعراء، كما يقول ابن قتيبة، أن يخرج على مذهب المتقدّمين" ( 74) .
وأما السلفية، فتلك هي سمة"العقلية السائدة في المجتمع العربي... (التي) ينبع مثلها الأعلى من الماضي لامن المستقبل" (74) .
إن التزام الشاعر بالذوق العام، إذا، لايكون إلاّ عن طريق التزامه الصياغة الشعرية القديمة، التي تتمثّل بشكل نموذجي في الأدب الجاهلي.
وقد كان لهذه النظرة السلفية النموذجية أثرها الكبير في جمود الشعر العربي ونقده، وذلك من خلال: