فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 122

هذا ما نجده مثلًا عند الآمدي، إذا بحثنا عن مقاييس المفاضلة عنده. فمقياس الآمدي"العواطف الذاتية وحسب" (4) وتعليل ذلك عند محمد أحمد الحسيني أنه"كان يشتغل بالكتابة في قصور الأمراء وكبار رجال الدولة في بغداد والبصرة. فإذا لاحظنا أن هذه المهنة لاتصلح - في العصر العباسي - أن تكون بابًا من أبواب الرزق، إلاّ إذا روعي فيها السهولة والترف والزخرف، وكانت معانيها بسيطة سهلة قريبة التناول، ولاحظنا - كذلك - أن أبا تمام لم يكن يهتم بشيء من هذا في كل ما أخذ عليه. إذا عرفنا هذا أدركنا أن هناك تصادمًا بين المذهبين، وأول شيء يخطر بالذهن أن يخاف الآمدي على مهنته من كل ما يصادم مذهبه في الكتابة، فدافع عنه، وهو في دفاعه - يحطّ من شأن شعراء المعاني، وفي مقدّمتهم أبو تمام" (4) وفي هذا الكلام إضاءة ساطعة لأسباب ميل الآمدي للبحتري.

ومما ساعد على استمرار المقياس التأثري الذاتي في نقد أبي تمام، كونه وجد قبل أن تستقر أصول البلاغة العربية وقواعد النقد الأدبي، مما أتاح الحرية في النقد، فأدّى بالتالي إلى غلبة الأحكام التأثرية. يقول عبد العزيز سيد الأهل:"جاء أبو تمام قبل أن توضع للبلاغة العربية أصول مقررة، وإنما كانت هناك بعض مسائل مفهومة كأنها دستور غير مدوّن، فدائرة النقد إذا - وهي غير متأصلة القواعد حينئذ - كانت أوسع أو أكثر حرية، لأنها لم تتقيّد بقيود، وكل العيب فيها أنها كانت تتأثر بالمغالطات إلى حدّ كبير" (5) ولعل ذلك كان من حسن الحظ، إذ أصبح كلام أبي تمام مقياسًا لصنوف البلاغة.."ولعله لو تأخّر لكان الخلاف حول شعره أكثر مما جرى!" ( 5) .

3 -الجزئية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت