فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 122

كان لابد، وقد انحدر الصراع إلى هذا الدرك، أن يتحول إلى عدواة شخصية، تعتدّ بمسائل وقضايا لاعلاقة لها بالفن الشعري (24) . وإنما الغاية منها، مهما بلغ اسفافها، الطعن على الخصم. لذلك تحولت الخصومة إلى الهجاء وتناول الأعراض. (25) .

لقد أصبحت العداوة لأبي تمام بدعة العصر، الأمر الذي دفع بعض النقاد إلى التعصب عليه."بالتقليد لا بالفهم" (26) . بل إننا نجد فئة من هؤلاء تتعصب على أبي تمام وتحطّه عن رتبته، رغم أنها كانت تستجيد شعره (27) وأخبار هذه الفئة كثيرة، فقد كان الرجل منهم يستحسن شعر أبي على أنه لشاعر آخر، لكنه حين يعلم أنه لأبي تمام يرفضه ويهاجمه

ويمكننا أن نلاحظ، في هذا المقام، غلبة طابع العنف على النقاش الدائر بين طرفي الخصومة أمّا سبب ذلك، فيعود إلى استمرار التقاليد البدوية والنزعة القبلية، وتمكنها من نفوس العرب، حتى بعد ظهور الإسلام.

يقول الربداوي:"إنّ داء المجتمع العربي فيما يبدو عليه من عنف متطرّف، هو في امتداد بداوة العصر الجاهلي، لا في ثقافته ذات المنحى الديني، إن كانت هذه الثقافة قائمة حقًا" (28) .

لقد كان لنزعة التعصب هذه آثار سلبية كثيرة على نقدنا العربي. فقد دفع هذا التعصب كلا الطرفين إلى إرجاع جيّد الخصم إلى من سبقوه، سواءٌ عن طريق التأثر أو السرقة (29) ، الأمر الذي أدّى إلى نشوء قضية السرقات في نقدنا العربي .

ويرى الأعرجي أيضًا أن من آثار التعصّب الأخرى أن صار الناقد -"حين يعسر عليه أن يجد لبيتٍ حسنٍ أصلًا آخر قديمًا - يفهم الشعر كما يشاء هو، لا كما يشاء ذوق المنصف. فقد اضطر الآمدي أن يلبس جبّة الفقيه المتصدّر للفُتيا فيمن يجب أن يوصل من الأرحام، في سبيل تسفيه قول أبي تمام:"

الودّ للقربى، ولكن عرفه ... للأبعد الأوطان دون الأقرب" (30) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت