فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 122

لقد صار الناقد، إذًا يجتهد لتسفيه قول الشاعر، إذا لم يتمكن من نسبته إلى السرقة أو التأثر. وهذه المواقف كلها ناجمة عن التعصب الذي طبع الخصومة.

وقد كان لهذا التعصب أيضًا أثر كبير في شكليه الصراع، إذ إنّ الناقد بقي بعيدًا عن النص المنقود، فهو لم ينظر إلى صلة النص بقائله، إنما كلّ مافعله هو أن نظر إليه، ليرى مدى تطابقه مع النصوص القديمة. وهذا، بحسب الأعرجي، ما جعل"الصراع صراعًا في المظهر، لم يمتدّ، ولم يثر قضية فكرية عميقة" (13) .

لكننا، على الرغم مما رأيناه عن غلبة التعصب على موقف النقاد، لانعدم وجود بعض الآراء العادلة الموضوعية، فثعلب"الذي كان يكره شعر أبي تمام، عندما أتيح له بنو نوبخت يختارون له من شعر أبي تمام جيده، ويشرحونه له، أقبل عليه واستجاده" (32) وأبو رياش القيسي الذي كان يكره شعر البحتري، عندما سمع بعض شعره واستحسنه"رجع عن رأيه فيه، وحض الناس على رواية شعره" (33) . وأنصار القديم أنفسهم رفضوا من القدماء ما عابوه على أبي تمام ومسلم ابن الوليد، فليس من المعقول، بحسب الأعرجي ،"أن يعيبوا على أبي تمام إغراقه في التجنيس وعلى مسلم بن الوليد، ثم يقبلون ذلك من شاعر جاهلي هو الأعشى، في قوله:"

شاو مشل شلول شلشل شول" (34) ."

وخلاصة القول أن معيار الخصومة بين الطائيّين طريقة الأوائل، أو مايسمّى بعمود الشعر. فقد قدّم النقاد البحتري، لأنه"ما فارق عمود الشعر المعروف"، ورفضوا أبا تمام لأنه"عدل عن مذّاهب العرب المألوفة"ولكنّ، هل خرج أبو تمام على عمود الشعر عامّة؟ وهل التزم البحتري به عامّة أيضًا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت