فهرس الكتاب
إذا عدنا إلى نص المرزوقي السابق، نرى أن قضية الوضوح كانت في رأس القضايا المطروحة، بل هي الأساس الذي تولّدت عنه القضايا الأخرى. وإذا ما علمنا أن غاية الشعر عند العرب أن يكون خبرًا مفيدًا (1) ، وأنّ وظفيته التحسين والتعجيب، أدركنا دور الوضوح في الشعر ليحقّق غايته المرجوّة ووظيفته. ويبدو أن النقاد كانوا مجمعين على هذا الأمر، لذلك كانت مشكلة الوضوح في رأس المعايير التي يُحكم بها على الشاعر بالجودة أوالسقوط. أما مقياس الوضوح عندهم، فأن يجري الشاعر على السّنن المألوف، على طريقة الجاهليين.
ويمكننا أن نجمل مظاهر الوضوح في الأمور التالية:
أ) - الحسّية:
إنّ الإدراك الحسي أبسط من الإدراك الحدسي أوالفكري، وهو أقرب إلى الأذهان. لهذا اعتمده العرب وسيلة للتعبير عن التجربة، وإيصالها إلى الآخرين واضحة مفهومة .
لقد كان هذا الإدراك عند الجاهليين فطريًا، فطبيعة البيئة والمرحلة الجاهلية كانت تفرض على الشاعر مثل هذا الإدراك، فكان يصوّر مايحسّ به، بل كان يعتمد على الحس وحده في تصوير المحسوسات والمعنويات على السواء (2) ، مستمّدًا عناصر هذا التصوير من الطبيعة الجاهلية المحيطة به. يقول ابن طباطبًا:"وأعلم أن العرب أودعت أشعارها من الأوصاف والتشبيهات والحكم ما أحاطت به معرفتها، وأدركه عِيانُها، ومرّت به تجاربها، وهم أهل وبر، صُحُونهم البوادي وسقوفهم السّماء فليست تعدو أوصافهم مارأوه منهما وفيهما... فضمّنتْ أشعارها من التشبيهات ما أدركه من ذلك عيانها وحسّها إلى ما في طبائعها وأنفسها من محمود الأخلاق ومذمومها.. فشبّهت الشيء بمثله تشبيها صادقًا على ما ذهبتْ إليه في معانيها التي أرادتها" (3) .
ومع تقدّم الزمن تغيرت طبيعة هذا الإدراك، لكن النقاد بقوا متمسّكين بالحسية شرطًا ضروريًا لتحقيق الوضوح، تمسكًا منهم بقيمة النص الجاهلي ومكانته.