فهرس الكتاب
غير أن الشاعر الجاهلي لم يعتمد على الحواس كلها بنسب متساوية، فكان اعتماده على حاسة البصر أقوى من اعتماده على غيرها. فالانطباع البصري، عند النويهي،"من أهم الخصائص التي تميزّ الانطباع الجاهلي.. (إذ) للخيال البصري دور عظيم الأهمية في بنائه وتكوينه" (4) . وقد لاحظ النقاد هذه الخاصيّة في الشعر الجاهلي الذي استمدوا منه قيمهم النقدية، فأكدوا بالتالي أهمية التصوير البصري لإيضاح الفكرة؛ بل إنهم طالبوا الشاعر أن يجعل القراء يبصرون في شعره الشيء الموصوف، كما كان يفعل الجاهلي (5) .
وإنه لمن الطبيعي أن يقدّم العرب الانطباع البصري على غيره من الانطباعات الحسية، فالإحساس البصري أقوى من بقية الإحساسات، وأسهلها وأوضحها وأكثرها رسوخًا في الذهن. والعرب، وقد طلبوا الوضوح، واعتمدوا على الحواس لتحقيق هذا الوضوح، انتبهوا إلى أن هذه القيمة موجودة في الانطباع البصري أكثر مما هي موجودة في غيره، فقدّموه وأولوه أهمية كبيرة واعتمدوا عليه في تصوير المحسوسات وتجسيد المجرّدات. أضف إلى ذلك أن طبيعة الإدراك الجاهلي كانت تفرض مثل هذا الاعتماد على الصورة البصرية .
هذه الحسية كانت أحد مقاييس المفاضلة بين القدماء والمحدثين. يفصّل ذلك محمد مندور، فيقول:"إن أنصار القديم يرون بحقّ أن الشعراء الجاهليين كانوا أصدق شعرًا وأقرب إلى المألوف من المحدثين، الذين يغربون ويبعدون بنا عن معطيات الحواس المباشرة، التي هي مادّة الشعر، وسبيله إلى إثارة الصور في نفوس السامعين، وبعث الأصداء الملازمة للواقع... وعلى هذا النحو نرى الفارق بين المذهبين: مذهب القدماء العريق في حقيقة الشعر، من حيث إنه يصاغ من معطيات الحواس المباشرة بعيدًا عن التجريد والإغراب، ومذهب المحدثين الذين يسرفون ويقتسرون ويضربون في عالم المجرّدات" (6) .