فهرس الكتاب
هذه هي الصفة الأولى التي قررها العرب لتحقيق الوضوح في الشعر، وهذا مانفهمه من طلب المرزوقي"المقاربة في التشبيه"وتحديده معياره بقوله:"وعيار المقاربة في التشبيه الفطنة وحسن التقدير، فأصدقه مالاينتقض عند العكس، وأحسنه ما أوقع بين شيئين، اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما ليبين وجه التشبيه بلاكلفة، إلاّ أن يكون المطلوب من التشبيه أشهر صفات المشبّهِ به وأملكها له، لأنه حينئذ يدل على نفسه ويحميه من الغموض والالتباس" (7) . وما المقاربة إلاّ نوعٌ من التصوير الحسي الذي تتحقق بوساطته صحة العكس، ووضوح وجه الشبه (8) .
غير أن استعمال الصورة على هذا النحو الحسّي، ماهو إلا"مظهر من مظاهر البساطة والسذاجة والرغبة في الإيجاز، حيث لايستطيع المتحدث ذكر تفاصيل المنظر الذي يريد تصويره، فيكتفي بذكر شيء شديد الشبه به، ومعروف لكل من القائل والسامع، مستغنيًا بذكره عن التعرّض لدقائق الموصوف (9) ":
وينقلنا هذا الكلام إلى المظهر الثاني لقضية الوضوح.
ب _ الجزئيّة:
تعدّ الجزئية نتيجة لازمة لمظهرين آخرين: الحسية، والرغبة في الإيجاز.فإدراك الشاعر الجاهلي للعالم المحيط من حوله حسّي، مما جعله يقف عند ظواهر الأشياء، دون النفاذ إلى بواطنها واستكناه حقيقتها. وهذا جعل صوره بالتالي، جزئية بعيدة عن الاستقصاء والتفصيل (10) .
إن لاعتماد التصوير الجاهلي على الجزئيات دون الكليات، أثرًا كبيرًا في النقد العربي. وهذا ما عبّر عنه المرزوقي بقوله:"والتحام أجزاء النظم والتئامها"وهو بذلك يقرّ بأن الشعر مؤلّف من أجزاء وما على الشاعر المجيد إلاّ أن يحسن الربط بينها.