فهرس الكتاب
ويدلنا اهتمام المرزوقي بقضية اللفظ، والمعنى، وإعطاؤها مثل هذه الأهمية، على تلك المكانة التي أولاها النقاد لهذه القضية. ولا نبالغ إذا قلنا: إن النقد القديم في معظمه نقدٌ لغويّ، كان له أثر كبير في جمود الشعر والحدّ من خيال الشعراء. ولكن ما هي معايير اللفظ والمعنى، وماذا كان يريد النقاد منهما؟
إن المعيار الوحيد الذي يمكننا أن نفهمه من كلام المرزوقي - وهو خلاصة آراء النقاد القدماء -هو الوضوح، وضوح اللفظ ووضوح المعنى.
لقد كانت اللفظة في الشعر القديم الأداة التعبيرية (13) التي يعبّر الشاعر بوساطتها عن تجربته. لهذا كان لابدّ لها أن تكون واضحة مفهومة، حتى تتمكّن من إيصال هذه التجربة. ولكي تتحقق هذه الغاية، اشترطوا"في اللفظ ألاّ يكون غريبًا في استعماله ولا مبتذلًا، تفهمه العامّة إذا سمعته، ولا تستعمله في كلامها" (14) . كما اشترطوا أن يكون سليمًا من تنافر الحروف، متجانسًا مع الألفاظ المجاورة مناسبًا لمعناه (15) .
هذه هي معايير اللفظ كما يمكننا أن نفهمها من كلام المرزوقي، وهي كلها تدور حول محور واحد: الوضوح. مثلها في ذلك مثل المعنى الذي أراد المرزوقي أن تطابق دلالته لفظه، وأن يكون مألوفًا معروفًا، ممّا درج عليه القدماء ،غير مخالف للعرف السائد .
لقد أراد المرزوقي - ومعه النقاد العرب القدماء (16) من الشاعر، ألا يستخدم من الألفاظ والمعاني إلاّ ما كان واضحًا مألوفًا عن طريق الاستعمال، له رصيد في أذهان الناس. ومن الواضح ما لهذه النظرة من خطر في الحدّ من حرية الشاعر في اختيار ألفاظه ومعانيه، وفي"الحدّ من جنوح الخيال إلى أفق غير أفق الظاهر"كما يرى عصام قصبجي (17) . فما سبيل الشاعر إلى الخيال،"وشعره مكبّل بقيود اللفظ والمعنى، والعرف، والحس، والوضوح والقرب والمطابقة؟" (18) .