فهرس الكتاب
إن عناية النقاد بالصياغة والسبك كان لها أثر كبير في تأخر التصوير والخيال في الشعر العربي (19) . لهذا، نرى أن معظم شعراء الصورة قد خرجوا على حدود اللفظ والمعنى، ضاربين صفحًا عنها، متجاوزين قيودها إلى عالم الخيال والإبداع.
أما قلة عناية النقاد بالمعاني والأفكار،"فسببها وارتباط المعنى في الأذهان بالتوجيه الخلقي، والمغزى الديني، والتصوّرات المنطقية" (20) . وقد دفع هذا الأمر النقاد إلى طلب الوضوح المعنوي والتمسّك به.
إن خلوّ الشعر من الفكرة وعدم عناية الشعراء بتصوير الأفكار، جعلت هذا الشعر أشبه بالصفحة البيضاء الواضحة. لهذا نجد أن أهم قضية ثارت في وجه شعراء الفكرة، هي قضية الوضوح، إذ إن النقاد كانوا أمام شعر جديد بعيد عن قيمة الوضوح التي رسّخوها، فهاجموا هذا الشعر وأخذوا على أصحابه غموض التعبير وسوء الإبانة.
د) التشبيه والاستعارة:
يقول المرزوقي:"أما عيار المقاربة في التشبيه، فالفطنة وحسنُ التقدير، فأصدقه مالا ينتقض عند العكس، وأحسنه ما أوقع بين شيئين اشتراكهما في الصفات أكثر من انفرادهما، ليبين وجه التشبيه بلا كلفة، إلاّ أن يكون المطلوب من التشبيه أشهر صفات المشبه به وأملكها له ،لأنه حينئذ يدلّ على نفسه ويحميه من الغموض والالتباس. وقد قيل:"أقسام الشعر ثلاثة: مثل سائر، وتشبيه نادر، واستعارة قريبة" (21) ."
وأمّا"عيار الاستعارة، فالذهن والفطنة. وملاك الأمر تقريب التشبيه في الأصل حتى يتناسب المشبه والمشبه به، ثم يكتفى فيه بالاسم المستعار لأنه المنقول عما كان له في الوضع إلى المستعار له" (22) .
إن التشبيه هو الأسلوب التصويري الذي لجأ إليه الجاهليون وأكثروا منه (23) "حتى لو قال قائل: هو أكثر كلامهم، لم يبعد" (24) . لهذا كان أوضح من الاستعارة في الأذهان، وكان اللجوء إليه مظهرًا من مظاهر التمسك بالوضوح الشعري (25) .