فهرس الكتاب
والمرزوقي في النص السابق، يؤكّد قيمة الوضوح في التشبيه،"فأصدقه مالا ينتقض عند العكس.. ليبين وجه التشبيه بلاكلفة.. ويحميه من الغموض والالتباس".
إن أسبابًا عديدة جعلت النقاد يقدّمون التشبيه على الاستعارة، منها أن التشبيه حسّيّ عقلاني واقعي، وأن الاستعارة حدسيّة فكرية خيالية خالقة (26) ؛ أي أنّ التشبيه واضح، والاستعارة غامضة.
هذا ما يراه أيضًا جابر عصفور، إذ يُرجع سبب إيثار التشبيه على الاستعارة إلى هذه الواقعية العقلانية، فيقول:"إن إيثار التشبيه عند العرب أمر يرتدّ إلى نظرة عقلانية صارمة، تؤمن بالتمايز والانفصال، وتنفر من التداخل والاختلاط (27) "، وترفض - في حزم - كلّ مايبدو خروجًا على الأطر الثابتة والمتعارف عليها، على أي مستوى من المستويات" (28) ."
غير أن هذا لايعني أنهم رفضوا الاستعارة عامة، (29) ، فهم لم يرفضوا إلا ما كانت العلاقة التشبيهية فيها غامضة. أما ما كانت العلاقة فيها تقوم على"تقريب التشبيه"، فهي مقبولة مستحسنة. لهذا، قبلوا الاستعارة التصريحية، التي تقوم العلاقة فيها على أساس المشابهة والمحافظة على التمايز التشبيهي في علاقة الطرفين .
ولهذا أيضًا، رفضوا الاستعارة المكنية (30) ، القائمة في علاقتها على أساس المغايرة والنقل (31 ) ، والتوحيد بين الطرفين. ولعل هذا ما قصده المرزوقي بقوله:"ثم يُكتفى فيه بالاسم المستعار، لأنه المنقول عمّا كان له في الوضع إلى المستعار له" (32) . فالإكتفاء بالاسم المستعار هو ما يجري في الاستعارة التصريحية، حيث يحذف المستعار له (المشبه) ، ويبقى المستعار (المشبه به ) . وعليه يكون معنى الكلام إيثار التصريحية على المكنية عند المرزوقي.
لكن عبد القاهر يؤثر الاستعارة المكنية، فهي عنده"أبلغ من الاستعارة التصريحية، لما فيها من إعمال الفكر وقوة التأمّل" (33) . غير أن هذا المذهب يُعدّ مرحلة متطوّرة جدًا في التفكير البلاغي العربي.