فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 122

انطلاقًا من هذا الفهم، يحدّد المرزوقي معيار الاستعارة، فيجعل"ملاك الأمر (فيها) تقريب التشبيه في الأصل حتى يتناسب المشبه والمشبه به.." (11) .

وهكذا، يمكن القول إن العرب فهموا من الصدق مطابقة الكلام للواقع من جهة، وللمثل الأعلى من جهة ثانية.

لقد نظر النقاد في أشعار الجاهليين، فرأوا الشاعر الجاهلي يعمد إلى تصوير الواقع"والاقتراب من الحقيقة ما أمكن" ( 12) ؛، بل إنه كان يصرف همّه كله"في أن يأتي للشيء بالصورة الحسية الموازية له، المتطابقة معه جزئيًا وكليًا" (13) . لهذا طلب النقاد الواقعية والصدق الواقعي في التصوير الشعري.

غيرَ أن الواقعية التي قصدوها، والتي عبّروا عنها بطلب (المقاربة في التشبيه ) ، هي واقعية العلاقة بين المشبه والمشبه به، أي (بشكل آخر) صدق وجه الشبه وصحة تحقّقه في طرفي المعادلة، بحيث"لاينتقض عند العكس".

لكن الشاعر، إذ يصوّر الواقع، ليس له أن يلتزم بحرفيته المطلقة. وإنما عليه أن يصوّره، من حيث هو مثل أعلى. هذا ماقصده المرزوقي بشرف المعنى، وبروايته عن عمر (رض) قوله في زهير:"كان لايمدح الرجل إلا بما يكون للرجال"وبتصوير الشاعر الواقع، تتحقق الإصابة في الوصف.

هذا هو الصدق الذي يعنيه المرزوقي: إنه الصدق الواقعي النموذجي، لا الواقعي المعيش. ولعل هذا يفسّر سبب ثورة النقاد على الشعراء العباسيين، الذين صوّروا واقعهم. فهم ثاروا عليهم لأنهم خرجوا على الواقعية النموذجية، وإن كانوا قد صدروا عن الواقعية الحيّة.

أما الكذب، فقد فهموا منه الغلّو والمبالغة. هذا ما فهمه المرزوقي تبعًا لقدامة (14) ، وهذا مافهمه أيضًا ابن طباطبا، بقوله:".. إلاّ ماقد احتمل الكذب فيه في حكم الشعر من الإغراق في الوصف والإفراط في التشبيه" (15) . والآمدي متفّق مع ابن طباطبا في ما ذهب إليه، لهذا رفضا معًا"قول من قال: أعذب الشعر أكذبه" (16) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت