فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 122

ورفض المبالغة الكاذبة في الشعر قديم، من ذلك ملاحظة الرسول الكريم حين أنشده النابغة الجعدي قوله:

بلغنا السماء مجدنا وجدودنا ... وأنا لنرجو فوق ذلك مظهرا

فقال له المصطفى: إلى أين يا أبا ليلى؟ فقال: إلى الجنة، فقال الرسول: إن شاء الله"."

يعلّق عصام قصبجي على هذا الخبر، فيقول:"لاريب أن هذه الملاحظة تحدّ من غلواء المبالغة الجوفاء، وتحاول ردّ الشاعر إلى سبيل الصدق المعقول، وتبدو ردًّا على حماسة النابغة للمبالغة في قبّته، وإنها لسخرية لطيفة من ذلك العرف الجاهلي الذي لايرضى للمجد بما دون السماء: إلى أين يا أبا ليلى؟ وكأن رسول الله ينبّه الشعراء جميعًا على السبيل المعقول في القول، سائلًا الشعراء: إلى أين أنتم ذاهبون بعيدًا عن القريب، والمألوف والمعقول، والصادق" ( 17) .

بيد أننا نجد فريقًا آخر من النقاد، يستحسن الكذب والمبالغة في الشعر. من هؤلاء، المرزوقي الذي"نبّه تبعًا لقدامة على أن مرادهم بالكذب هو الغلو، وهو كذب تصاحبه قرينة، على أنه مخالف للواقع لغرض لطيف، وليس مرادهم الكذب مطلقًا" (18) .

إن هذا الفريق من النقاد، ويمثّلهم قدامة، لايرون في الشعر سوى صياغة جميلة، لايُطالب الشاعر بغيرها. لهذا، يقول محمد غنيمي هلال،"فلاضير أن يكذب الشاعر نفسه، فيصوّر غير ما يعتقد، ولا يعدّ تناقضه مع نفسه منقصة" (19) .

ومعيار الجودة، عند هذا الفريق، حسن التصوير وقدرة التعجيب، لا الصدق الانفعالي. ولمّا كانت مهمة الشاعر التعجيب وإحسان التصوير، وكان الصدق قرين المألوف ،وفي المألوف ابتذال، فإنّ السبيل إلى الإبداع الغلوّ والمبالغة. وهذا الغلوّ يكون"في طلب المثل الأعلى من صفات الشيء دون طلب الصادق منها" (20) . وهنا نعود لنلتقي مع أنصار الصدق في ضرورة التصوير وفق المثل الأعلى والنموذج المثالي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت