فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 122

وإذا كان النقاد قد انقسموا إلى فئتين: فئة تقول: أحسن الشعر أكذبه، وفئة تقول: أحسن الشعر أصدقه، فإن المرزوقي قد أضاف فئة ثالثة تقول:"أحسن الشعر أقصده" (21) . ولعل هذا هوالرأي السليم، إذ لا تعارض بين الصدق من جهة، والغلوّ والمبالغة من جهة أخرى، بل أن الغلوّ في كثير من الأحيان أصدق من الواقعية النموذجية. المهم في الأمر الصدق النفسي، الذي قد يكون في المبالغة كما قد يكون في الشعر الواقعي النموذجي. ولملاحظة المرزوقي هذه جانب آخر على قدر كبير من الأهمية، فكأنه بها يشير إلى دور الواقع والخيال معًا في الإبداع الشعري. فالشعر الجيد هو ماكان مقتصرًا في هذا وذاك، ومشتملًا عليهما معًا، في آن واحد.

لقد كان كلّ من الفريقين بعيدًا عن جوهر المشكلة، ويعود السبب إلى ربط الشعر بالمتلقي لا بالقائل. لهذا، بقيت نظرتهم إلى الإبداع الشعري سطحية، لم ينتبهوا إلى دور الشاعر فيه، ولم يربطوا بينه وبين تجربته. وقد كان لهذه النظرة نتائج عديدة، كان لها أثرها في جمود الشعر العربي وتأخره .

ومن هذه النتائج:

أ ) تقييد حرية الشاعر وحرمانه من التعبير الذاتي الصادق، وذلك لمطالبته بالتزام الواقع النموذجي في تصويره. فقد طالب النقاد الشعراء بأن يلتزموا هذا الواقع على غرار الجاهليين، ولكن فاتهم أن هذه الواقعية عند الجاهلي كانت متلوّنة بأعصاب الشاعر. يقول يوسف اليوسف: إن هذه الواقعية عند الجاهلي"لاتعني أنه كان عبدًا للوقائع، لايملك أن ينفلت من قبضتها، بل على العكس من ذلك، يندر أن تظهر الوقائع إلاّ وقد تلوّنت بلون أعصاب الشاعر، وإن كان عمق هذا التلوين يختلف من آونة إلى أخرى" (22) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت